الاثنين، 23 أبريل 2012

الاهاف التشريعية للعقوبات في الاسلام





الدكتور علي عبد الرحمن الحسون - جامعةالملك سعود



االمبحث الأول
حفظ الضروريات الخمس

تنقسم المقاصد التي تراعيها الشريعة إلى ثلاثة أقسام هي : الضروريات والحاجيات والتحسينيات .


1-الضروريات :
وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا, بحيث إذا فقدت لم تستقم الحياة الدنيا بل تؤول إلى الفساد والفناء ، أما الأخرى فتفوت فيها النجاة والنعيم ويحصل الخسران . 

والضروريات خمس هي : حفظ الدين, والنفس, والنسل, والعقل, والمال . 


2-الحاجيات :

وهي ما كانت مفتقرا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤد ي في الغالب إلى الحرج والمشقة, وذلك مثل الرخص المخففة كرخصة المريض والمسافر, وكذلك المعاملات كالبيع والقرْض والسلَم وغيرها .


3-التحسينيات :

ومعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات مما تأنفه العقول الراجحة، وهي ما تدخل في قسم مكارم الأخلاق, وذلك مثل الطهارة وستر العورة والتقرب إلى الله تعالى بالنوافل,كالصدقات وغيرها . () 



والذي يعنينا في هذا المبحث هو القسم الأول ـ أعني الضروريات ــ فهي التي لا تستقيم الحياة بدونها ، ولذلك فإنها مراعاة ومعتبرة في كل الشرائع ،ومن ذلك نجد أنها قد روعيت في الشريعة الإسلامية في تطبيق العقوبات على مرتكبي الجرائم ، فنقول : 
إن حفظ الضروريات الخمس هو الهدف الأساسي للعقوبات الشرعية ،حيث جاء الإسلام ليحفظ للإنسان دينه ونفسه وعرضه وعقله وماله, واعتبر حماية هذه الأشياء الخمسة من أهم مقاصده التشريعية .
فحفظ للإنسان دينه الذي كلفه الله به دون غيره من سائر المخلوقات, واعتبر الفتنة في الدين أشد من القتل, قال الله تبارك وتعالى :


( والفتنة أكبر من القتل) (1)
واعتني بالحفاظ على النفس البشرية عناية تامة فجعل نفس الإنسان مصونة, وحياته معصومة لا تهدر إلا بحق ، قال الله تبارك وتعالى:

يأ يها ا لذ ين ءامنوا لاتأكلوا أمولكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (2)
 وقال :ولاتقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق (3)


وحفظ للإنسان عقله, لأن العقل مناط التكليف, فالإنسان لم يخلق عبثا متروكا لذاته وللذاته, بل عليه تكاليف في كل لحظة تجاه ربه ونفسه وأهله وجماعة المسلمين والبشرية عامة, فهو مطالب باليقظة الدائمة والوعي المستمر لكي ينهض بهذه التكاليف . وفقدان العقل والوعي لا يخل بأداء التكاليف فحسب بل يجعله عبئاً على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس .
واعتنى الإسلام بحماية العرض والنسل, حيث نظم طريقة تواجد الإنسان وتناسله عن طريق زواج مشروع, وأقام الأسرة على أسس متينة قوية مترابطة, وحرَّم النيل من أعراض الناس والخروج عن المنهج القويم إذ يؤدي ذلك إلى انقطاع النسل واختلاط الأنساب وضياع الأسر وتفكك الروابط وانتشار الأمراض وهلاك الناس .
وكذلك حفظ للإنسان ماله, لأنه قوام الحياة ، قال الله تبارك وتعالى:

و لاتؤتوا السفهآء أمولكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (4)
 وهو وسيلة التبادل والحصول على مطالب الحياة. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الموت دفاعا عن المال شهادة فقال :

(من قُتل دون ماله فهو شهيد)().
فجملة القول أن الإسلام جاء لحماية هذه الأشياء التي تسمى بالضروريات الخمس, لأنها ضرورية للناس في حياتهم, ولا يمكن بقاء الإنسان ولا توافر معاني الحياة الإنسانية الكريمة إلا إذا توفرت هذه الأشياء الخمسة, إذ أن فقدان واحد منها يخل بحياة الإنسان ويترتب عليه اضطراب أموره . () 
ولهذا فإنه ما من مصلحة إنسانية حقيقية ثابتة جاء الإسلام لحمايتها إلا وهي ترجع إلى واحدة منها .
والناظر في العقوبات الشرعية من حدود وقصاص وتعزير يجد أنها شرعت لصيانة هذه الضرورات الخمس من الدين والنفس والعقل والعرض والمال والمحافظة عليها, وهذا هو الهدف العام من العقوبات .
وقد يقول قائل : إن العقوبات في ذاتها مفاسد, فقتل القاتل ورجم الزاني, وقطع السارق تسبب نقصانا لأعضاء المجتمع, فكيف نعالج المفسدة بمفسدة أخرى .
والجواب : هو أن هذه المفاسد - أعني العقوبات - ليست مقصودة لذاتها بل المقصود هو ما تؤدي إليه, فيجوز أن تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى . قال تعالى :


( ولكم في القصاص حياة ) (5) فسماه حياة لأنه بقتل القاتل يرتدع قاتلون كُثُر عن الإقدام على القتل, فصاروا أحياء بسبب تطبيق حد القصاص .



قال العز بن عبد السلام : ( وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد; بل لكونها مؤدية إلى المصالح, وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا للأرواح, وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد, وكذلك العقوبات الشرعية ليست مطلوبة لكونها مفاسد; بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع السارق ... . وقتل الجناة رجم الزناة وجلدهم وتغريبهم وكذلك التعزيرات, كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية, وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب ). () 


وعلى هذا فعقوبة الردة شرعت حفاظا على الدين وضمانا لمسيرته, وحماية الدين من أولئك المنافقين المتاجرين بالدين القويم الذين يريدون الدخول في الإسلام ثم العودة إلى الكفر بغرض إساءة سمعة هذا الدين ومنع الناس من الدخول فيه وتشكيك المسلمين الذين دخلوا في الإسلام حديثا , وقد وجدت فئة من هؤلاء من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين أخبر عنهم القرآن بقوله :
و قالت طآئفة من أهل الكتب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون (6)

فعقوبة الردة في الحقيقة شرعت حفاظا للدين ممن أراد التلاعب به والنيل منه [6, ص 51] .
وشرعت عقوبة القصاص للحفاظ على النفوس وكرامتها من أن تنال بغير حق, فالنفس الإنسانية محترمة ومعصومة وقد كرمها الله تعالى, ولا شيء أعز على الإنسان من نفسه بعد دينه, فعقوبة القصاص إنما شرعت لصيانة النفوس من الاعتداء عليها من قتل وضرب وجرح وإيلام, قال تعالى :

و لكم في القصاص حياة يأأولي الألباب لعلكم تتقون (7) .

 ومن ذلك الاعتداء المعنوي كالمحافظة على الكرامة والحرية ومنع الإهانة وحرية الفكر وغير ذلك [7, ص 53] .
 يقول سيد قطب في تفسير الآية : ؛ إنه ليس للانتقام, وليس لإرواء الأحقاد, وإنما هو أجل من ذلك وأعلى إنه للحياة, وفي سبيل الحياة, بل هو ذاته حياة « [41 ج-1, ص 951] .
ولما كان في تعاطي الخمر اعتداء على العقل الإنساني وشعوره الذي ميزه الله تعالى على جميع الحيوانات وكان هناك احتمال قوي غالب لظهور أنواع من المفاسد والخبائث, وضياع لكثير من المصالح والمبادئ نتيجة فقدان الشعور والوعي جاءت الشريعة تفرض حد الشرب حفاظا على العقل الإنساني, وحماية للمجتمع من أنواع المفاسد والخبائث التي تظهر نتيجة فقدان الشعور .
ثم لما كان في الزنا مساس بكيان المجتمع وتماسكه, واعتداء على أعراض الناس, وقضاء على نظام الأسرة وروابطها, واختلاط الأنساب وضياعها, فرض النظام العقابي الإسلامي عقوبة قاسية على الزنا حفاظا على أعراض الناس ونظام الأسرة التي هي اللبنة الأولى للمجتمع; بل إن الشرع منع مجرد إشاعة الفاحشة, وذلك بتقرير حد القذف على من قذف محصنا بالزنا .
وكذلك شرعت عقوبة السرقة حفاظا على أموال الناس من الضياع وحماية لحرية التملك الفردي, وتحقيقا للأمن على أموال الناس .
ولما كانت المحاربة والإفساد في الأرض اعتداء على النظام, وعلى أرواح الشعب وأعراضهم وأملاكهم, وزعزعة لثقة الناس في النظام, وتهديدا للأمن والاستقرار والاقتصاد ووسائله من التجارة والصناعة, شرع النظام العقابي الإسلامي عقوبة على الحرابة والإفساد حفاظا على هذه الأشياء [4 ج-1, ص ص 682 - 882 و 7 ص ص 4 - 63 و 6 ص ص 102 - 902 و 5 ص ص 93 - 14] .
وهذا هو الشأن في كافة العقوبات مهما كان نوعها فإن الهدف منها بصفة عامة يرجع إلى الحفاظ على الضرورات الخمس وتحقيق مقاصدها وكمالها, والمنع من الاعتداء عليها والمساس بها .



يقول أبو حامد الغزالي : ؛ إن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق, وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم, لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع, ومقصود الشرع من الخلق خمسة, وهو أن يحفظ عليهم دينهم, ونفسهم, وعقلهم, ونسلهم, ومالهم, فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة, وكل ما يفوت هذه الأصول, فهو مفسدة, ودفعها مصلحة ... وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات, فهي أقوى المراتب في المصالح, ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل, وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته, فإن هذا يفوت على الخلق دينهم, وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس, وإيجاب حد الشرب, إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف, وإيجاب حد الزنى, إذ به حفظ النسل والأنساب, وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق, وهم مضطرون إليها . وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة, والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل, وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق, ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنى والسرقة وشرب المسكر « [4, ج-1, ص ص 682 - 882] .


المبحث الثاني
الردع والزجر عن الجريمة

إن تشريع العقوبات المختلفة على أنواع من الجرائم يهدف إلى الردع والمنع عن الجريمة, حيث إن العلم بمشروعيتها يزجر الناس ويردعهم عن الإقدام على الجرائم, ثم من لم يرتدع من الأمة بنصوص العقوبة فأقدم على الجريمة واقترفها, تقوم القوة الحاكمة المسؤولة بتوقيع العقوبة عليه, فمن أهداف إقامة العقوبة الردع والزجر والإبعاد عن الجرائم [51, 2 22, و61, ص ص 98 - 39, و 71ج- 2, ص 882, و81ج- 4, ص 211, و91ج- 5, ص 3, و31ج-, ص 86, و9, ص 021, و 02, ص ص 66 - 96, و12, ص ص 02 - 12] .



والردع على نوعين : الردع العام, والردع الخاص :


أ - الردع العام :

 ومعنى الردع العام أن توقيع العقوبات على المجرم يزجر الناس ويردعهم عن اقتراف الجرائم ويمنع كل من تسول له نفسه بالجرائم عن ارتكابها, ففي إقامة العقوبات تنبيه للناس على أنهم إن ارتكبوها فقد تلحقهم من العقوبة المؤلمة مثلما أصابت المجرم, والنفس البشرية مجبولة على الإبتعاد عن الإيلام, فإذا عرفت أن مقارفة الجرائم تفضي إلى نزول العقوبة بها كفت عن الإجرام [51, ص 122, و 61 ص 98 - 39, و 71ج- 2, ص 411, و31ج- 1, ص 86, و81ج- 5, ص 3, و02, ص ص 66 - 39] .
فإقامة العقوبات تساعد الناس على مقاومة دوافع الجرائم الداخلية والخارجية وتعينهم على السيطرة عليها .
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى :


و لكم في القصاص حياوة يأأولي الألباب لعلكم تتقون (8) . 
ومما يؤكد معنى الردع العام حث القرآن الكريم على شهود طائفة من الناس إقامة الحدود والعقوبات إذ يقول الله تبارك وتعالى : 

(وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (9)

 ونلاحظ أن فكرة الردع العام كأحد أهداف العقوبة تتجه إلى الناس عامة, وهي موجودة في جميع العقوبات .


ب - الردع الخاص :

 ومعنى الردع الخاص أن إقامة العقوبة على المجرم على ما اقترفه من الجريمة يهدف إلى ردع الجاني حتى لا يعود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى, فإن العقوبة وألمها وما يترتب عليها من أذى مادي ومعنوي تصده عن العودة مرة أخرى إلى اقتراف الجريمة [91, ج-5, ص 3, و02, ص 76, و 9, ص 021] .
وطابع فكرة الردع الخاص طابع علاجي يتجه إلى الفرد الذي اندفع إلى ارتكاب الجريمة .
ونلاحظ أن الردع الخاص كأحد أهداف العقوبة موجود في بعض عقوبات الحدود والدية وأغلب عقوبات التعزير, إلا أنه غير متصور في عقوبة الردة وعقوبة القصاص في صورة القتل, وعقوبة الزنى للمحصن ، وعقوبة الحرابة في صورة القتل .


المبحث الثالث
الجبر للخلل الناجم عن ارتكاب الجريمة

من الأهداف التي ترمي إليها العقوبات الشرعية هو جبر النقص والخلل الحاصل من اقتراف الجريمة, وهذا الجبر على نوعين : الجبر لجانب المجني عليه, والجبر لجانب الجاني الذي أقدم على الجريمة .


أ - الجبر لجانب المجني عليه :

 فالعقوبات الشرعية تلاحظ جانب الشخص المجني عليه, وتهدف إلى جبر حقه الذي انتهكه الجاني وتسعى إلى شفاء غيظه بأخذ حقه وجبر النقص الحاصل عليه .



ويظهر هذا الهدف جليا في عقوبات القصاص . يقول الشيخ محمد أبو زهرة في هذا الخصوص : ؛ وأن القصاص كان العقوبة الأساسية في الإسلام بالنسبة للجرائم الواقعة على الأشخاص, لأنه يشفى غيظ المجني عليه, وذلك لأن مفقوء العين لا يشفي غيظه مال من الجاني مهما يكن قدره, ولا سجن مهما تكن مدته, ولكن يشفي غيظه أن يجده مفقوء العين, ومن لطم في مجتمع عام لا يشفي قلبه غرامة مهما زاد مقدارها, ولا سجن مهما يكن أمده, ولكن يشفي غيظه أن يلطم وجه المعتدي على ملأ من الناس «[5, ص ص 35 - 45] .
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قرر النظام العقابي الإسلامي عقوبات التعويض والأرش إن لم يمكن تنفيذ عقوبات القصاص لعدم إمكان المساواة بين الجريمة والعقوبة أو لأي سبب من الأسباب الأخرى [22, ج-21, ص و7, ص 94] .
ولا يشك أحد أن العناية بالجبر بجانب المجنى عليه وشفاء غيظه له أثره البالغ في منع فكرة الانتقام وردود الفعل, فإنه لا يفكر في الانتقام ولا يسرف في الإعتداء [5, ص ص 35 - 45, و 7, ص ص 94 - 94] . كما نص عليه القرآن بقوله :


و لا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (01) .


ب - الجبر لجانب الجاني :

 إن العقوبات الشرعية التي تقام على الجاني تهدف إلى جبر الذنب الذي ارتكبه الجاني وجبر ما انثلم من دين المرء الذي اقتحم المعصية, فالعقوبات هي كفارات للذنوب التي اقترفها الجاني .
ولكن فكرة جبر الذنب وتكفير الجريمة كأحد أغراض العقوبة مختلف فيه بين الفقهاء, فقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال :



1 - ذهب أكثر أهل العلم [32, ج- 11, ص 422, و 42ج-1, ص 66] منهم الإمام الشافعي [52, ج-6, ص 831] وابن حزم [62, ج11, ص ص 421 - 521] إلى أن الحدود كفارات لأهلها, فإذا أقيمت على الجاني كانت مكفرة لما اقترف من آثام [32, ج-11, ص 422 و 42, ج-1, ص ص 66 - 86, و71, ج- 2, ص 511, و 91ج-, ص 3, و 81ج- 5, ص 112] . واستدل هؤلاء بأحاديث هي كما يلي :


أ - حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء في ليلة العقبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه :

(بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا أولادكم, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوا في معروف . فمن وفى منكم فأجره على الله, ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له, ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله, إن شاء عفا عنه, وإن شاء عاقبه) . فبايعناه على ذلك, رواه البخاري [2, ج-1, ص 46و72, ج-11, ص 46] .



قال الإمام الشافعي : ؛لم أسمع في الحدود حديثا أبين من هذا [52, ج-6, ص831] .


ب - حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(من أصاب حدا فعجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة) [82, ج- 5, ص 61] و92, ج-2, ص 868](11) .

ج - حديث خزيمة بن ثابت مرفوعا :

(من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارة له) . [3, ج-5, ص 412](21) 


واستثنى ابن حزم [62, ج- 11, ص 421] من الحدود حد المحاربة تطبيقا للآية الشريفة :
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ... إلى قوله : ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (31) .
 فالله جمع عليهم بين العذابين, فحديث عبادة يكون مخصوصا بالآية المذكورة ,

واستثنى الإمام النووي [32, ج-11, ص 322] وابن حجر [42, ج-1, ص 56] وغيرهما حد الردة, فذكر النووي : أن عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى :
إن الله لا يغفر أن يشرك به

فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة .



2 - وذهب الحنفية إلى أن التوبة هي التي تسقط العذاب الأخروي عن المذنب [91, ج-5, ص 3, و 81, ج-5, ص 112] واستدلوا على ذلك بما يآتي :


أ - قال تعالى :

فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (41) .


ب - وقال النبي صلى الله عليه وسلم :

(التائب من الذنب كمن لا ذنب له) [92, ج-2, ص 0241](51) .
ووجه الاستدلال أن الآية والحديث يدلان على أن الإثم من الذنوب لا يزول إلا بالتوبة .



ج - الآية التي فيها حد الحرابة والإفساد, حيث جمع فيها بين الحد وعذاب الآخرة .
وأجابوا عن حديث عبادة وما ورد في معناه من الأحاديث بأنه يجب أن يحمل على ما إذا تاب المذنب أثناء تنفيذ العقوبة عليه, وقالوا إن تقييد الظني عند معارضة القطعي متيقن بخلاف العكس .



3 - وذهب بعض أهل العلم إلى التوقف في المسألة [32 ج-11, ص 422, و 42, ج-1, ص 66] .
واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعا : ؛


ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا« [13, ج-,2, ص 054](61) .
قالوا : طالما توقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن يتخد موقفا معينا في الموضوع . بل يجب أن يتوقف كما توقف النبي صلى الله عليه وسلم .

مناقشة الأدلة والترجيح :



من خلال الأدلة التي استدل بها أصحاب المذاهب الثلاثة يظهر لي - والله أعلم - أن الحدود كفارات لأهلها وجوابر للذنب, وهذا ما ذهب إليه الجمهور, وذلك لأن حديث عبادة حديث متفق على صحته وهو صريح في المسألة .
وأما ما استدل به الحنفية من الآية والحديث على تكفير الذنوب بالتوبة فهذا مع كونه محل اتفاق بين العلماء إلا أنه خارج عن الموضوع فليس فيها ما يدل على أن الحدود كفارات أو أنها ليست كفارات . ثم إن الدليلين لا يدلان على حصر التكفير في التوبة .
وأما آية الحرابة, فليس هنا ثمة تعارض بينها وبين حديث عبادة وما في معناه, فحديث عبادة وما في معناه من الأحاديث مخصصة بآية الحرابة, فحد الحرابة يتميز بأحكام تخصه, ولهذا نرى أن الجمع بين العذابين لم يرد في أي عقوبة أخرى .
وأما حديث أبي هريرة الذي استدل به القائلون بالتوقف فقد أجيب عنه بعدة أجوبة [32, ج-11, ص ص 322 - 422, و42, ج-1, ص 66] :
أ - أن حديث عبادة أصح إسنادا من حديث أبي هريرة, فلذا وجب تقديمه .
ب - أن حديث أبي هريرة متقدم على حديث عبادة, فهو ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه الله ذلك [42, ج-1, ص 66], لأنه لا يمكن أن يكون اليقين قبل الشك; بل يكون شاكا ثم علم بعد ذلك .
ويؤيد هذا أن المبايعة المذكورة في حديث عبادة كانت متأخرة عن إسلام 
أبي هريرة بدليل أنه ورد في بعض طرق حديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم ؛قرأ آية النساء [2, ج-8, ص ص 736 - 836] .
وورد عند الطبراني أن عبادة بن الصامت قال : ؛بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة« [23, ج-2, ص 203] .
فهذه أدلة على أن البيعة المذكورة في حديث عبادة إنما صدرت بعد فتح مكة بعد نزول الآية التي في الممتحنة يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ... الآية ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف [42, ج-1, ص 66] .
فظهر أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن العقوبات كفارات لأهلها وجوابر لذنوبهم ما عدا حد الحرابة والردة . والله تعالى أعلم .



المبحث الرابع
تطهير المجتمع من الرذائل وحماية الفضائل

إن من أهم مقاصد الإسلام هو بناء المجتمع الإسلامي ليكون مجتمعا طاهرا تسود فيه القيم والآداب السامية والفضائل السلوكية, وتنعدم فيه الرذائل والأعمال المنكرة وسفاسف السلوك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


(إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [3, ج-2, ص 183, و 13, ج-2, ص 316] .
وذلك من خلال غرس مجموعة من القيم والفضائل في نفوس أفراد المجتمع وتقوية الوازع الديني فيهم وتكوينهم تكوينا صالحا بأساليب متنوعة كي يكونوا نزاعين إلى الخير بعيدين عن الشر والانزلاق مع الهوى والشهوات لأن الخلق القويم لأفراد المجتمع هو أساس بقاء الأمة ولقيام المجتمع مجتمعا طاهرا قويا متماسكا . والتاريخ خير شاهد على أن انهدام كل حضارة ظهرت في التاريخ تم بسبب انغماس أهلها في الشهوات وإغراقها في الرذائل والملذات .
ومع ضرورة التحلي بالآداب السامية والفضائل الخلقية, فإن المجتمع لا يخلو من أولئك الشرذمة القلائل, الذين ينساقون مع الشهوات وينغمسون في الملذات ويهوون في الرذائل والذين لا تنفع معهم الوسائل الإرشادية والرقابة الاجتماعية في مكافحة الرذائل وإبعادهم عنها, فلو ترك هؤلاء وشأنهم لاستفحل الشر وانتشرت الرذائل في المجتمع وسرى فيها الانحراف الخلقي, فمن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بفرض العقوبات المتنوعة ليرتدع هؤلاء عن الانسياق مع الشهوات والانزلاق مع الهوى وارتكاب الرذائل, وهكذا تعمل العقوبات الشرعية على تطهير المجتمع من الرذائل وتحمي له كل الفضائل والقيم, وبذلك تضمن للمجتمع الإسلامي سلامته ونقاوته وطهارته .
ونلاحظ أن العقوبات في حمايتها للفضيلة لا تنظر إلى مقدار الجريمة بالنسبة للمجني عليه, إنما ينظر فيها إلى مقدار آثار الجريمة في المجتمع, وكذلك في إبعاد الرذيلة والمفاسد لا تنظر إلى إرضاء الناس أو ملاءمتها لأغراضهم, فهي لا تخضع للأوضاع ولا لأعراف الناس . بل إلى الأثر الحاصل منها [8, ص 36, و 12, ص 22] .




المبحث الخامس
رحمة بالأمة وبالمجرمين

العقوبات الشرعية كلها رحمة من الله لعباده, فمبدأ الرحمة واحد من أهم أهداف العقوبات الشرعية فهذه العقوبات تحمي الأسس الثابتة والضرورية لحفظ كيان الأمة, وتبني عليها المصالح الحقيقية الثابتة والتي بدونها يختل بنيان الأمة وينهار, فالعقوبات تكفل المحافظة على أمن المجتمع وتحقق الاستقرار والهدوء التام له, وتحمى حقوق الأفراد وحرياتهم التامة .

ورحمة الله بالأمة تبدو جليا في نظام القصاص الذي يعطي المجني عليه أو أولياءه الحق في التمسك باستيفاء القصاص, وله أثره الكبير في فكرة الردع العام وفي منع تداعي ردود الأفعال العشوائية تجاه الجريمة, فهو بهذا يحفظ على المجتمع الكثير من دماء أبنائه, والتي يمكن أن تسفك بدون حق, وصدق الله إذ قال:

ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب (71) .
وكذلك تظهر رحمة الله بالجماعة في حد السرقة والحرابة وحد القذف والزنا وحد شرب الخمر حيث أن هذه الحدود تؤدي إلى حماية أموالهم وأعراضهم, وتحقق للمجتمع أمنه واستقراره .
وعلى العكس من ذلك فإن الرفق بالمجرمين يعد قسوة في حق المجتمع لا رحمة به . بل الرحمة توجب القسوة على المفسدين وهي وإن كانت في ظاهرها شدة إلا أنها في مؤداها رحمة .
والرحمة وإن كانت للأمة بالدرجة الأولى إلا أنها تشمل الجاني نفسه, حيث إن المجرم لا يعرف مصلحة نفسه فيهوي في دياجير الجرائم التي تؤذيه في دنياه وأخراه, فهو بذلك يحقق رغبة عاجلة تهفو إليها نفسه الأمارة بالسوء ولا ينظر إلى عواقب ما يصنع, وأنه ضرر عليه في الدنيا والآخرة فتأتي العقوبات لتقام عليه رحمة له وشفقة عليه لئلا يستمر في هذه القاذورات المؤذية له, وهو وإن كان يشعر أن العقاب أذى وألم فإن واقع الأمر أن أذى الجرائم لو استمر عليها يكون أشد وأقسى على نفسه وحياته .
ولهذا فإن الشرع ينتشله من حمأة هذه القاذورات بعقوبة هي عليه أخف بكثير من أضرار الجرائم التي ارتكبها .
ومثل العقوبات في هذا كمثل الطبيب يسقي المريض الدواء المر أو يقطع منه عضوا ليسلم باقي الأعضاء فعمله رحمة بالمريض, وكذلك العقوبات هي رحمة بالأمة وبالمجرمين .



قال ابن تيمية : ؛فإن إقامة الحد من العبادات, كالجهاد في سبيل الله . فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده, فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله, ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق, بمنزلة الوالد إذا أدب ولده, فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد, وإنما يؤدبه رحمة به, وإصلاحا لحاله, مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب, وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه, وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك, بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه, وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة« [33, ص 94] .
وكذلك فرحمة الله بالجاني في جرائم الحدود تبدو في اشتراط وسائل إثبات لا تدع معها مجالا للشك في ارتكاب الجريمة, بل إن بعض الوسائل يندر توافرها في بعض الجرائم كالزنا, ومبدأ درء الحدود بالشبهات المعتبر لدى الفقهاء هو أحد مظاهر الرحمة بالجاني .
وفي جرائم القصاص تبدو رحمة الله بالجاني في تخيير المجني عليه أو أوليائه بين القصاص والدية والعفو مع تحبيب العفو إليه .
وإضافة إلى ذلك فإن الرحمة تستمر مع المجرم حتى أثناء إقامة الحد عليه من اشتراط آلة ماضية في القصاص, وكون السوط الذي يضرب به الجاني متوسطا وكذلك التوسط في الضرب نفسه بحيث لا يجرح جلد الجاني وكذلك حسم العروق عند القطع وهكذا .
فالعقوبات الشرعية كلها رحمة بالأمة وبالمجرمين على درجات يواز ن فيها بين مصلحة المعتدي ومصلحة الجماعة [43, ج-3, ص 361, و 5, ص ص 31 - 41, و9, ص ص 441 - 841, و 53, ص 05] .


المبحث السادس
مجازاة الجاني بالمثل

إن من الأهداف التي ترمي إليها العقوبات الشرعية مجازاة الجاني بالجزاء المكافئ للجريمة فيتحمله الجاني جزاء جريمته [02, ص ص 46 - 66, و 9, ص 341] .
وهذا هو العدل الذي ينشده الناس في حياتهم فلكل إنسان حقوق وعليه واجبات ولابد من الموازنة بينها, فإذا اختل هذا التوازن بالاعتداء على حقوق الآخرين أو الإخلال بالواجبات وجب حسم ذلك بالعقوبة العادلة التي تعيد التوازن وتحقق العدل [63, ص 37] .
ويدل على فكرة اعتبار الجزاء غاية للعقوبات تصريح القرآن الكريم في العقوبة في جرائم الحدود بأنها الجزاء المقابل للجريمة . قال تعالى : 

إ نما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأ رض فسادا أن يقتلوا أو يصلبو أو تقطع أيد يهم وأ رجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الد نيا ولهم فى الأ خرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (81) .
 وقال :و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (91) .
 وقال تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (02) .

فبمجرد حصول الجريمة يثبت العقاب حتى وإن كان الشارع أعطى المجني عليه حق المطالبة عموما وحق تنفيذ القصاص خصوصا فإنه لا يعني أن العقاب لا يتأتى إلا بذلك, فالعقاب يوجد لأنه مقابل للجريمة الحاصلة ومساو لها في الدرجة الأولى ثم هو أخذ بحق المجني عليه [9, ص 441] .
هذا ومما يؤكد كون العقوبة في مقابل الجريمة وجزاء لها أن الشرع الشريف لا يعاقب إلا من كان مكلفا أي بالغا عاقلا مختارا ومدركا لمعاني الجريمة ونتائجها أي مسئولا عن جريمته, وهو ما يعبر عنه بالمسئولية الجنائية . ثم إن من لوازم المسئولية الجنائية أن العقوبة شخصية وهو ما يعبر عنه بمبدأ شخصية العقوبة, فلا يسأل عن الجريمة إلا مرتكبها ولا يؤخذ المرء بجريرة غيره مهما كانت القرابة أو الصداقة بينهما [31, ج1, ص ص 381, 493], وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العادل فقال تعالى :

ولاتزر وازرة وزر أخرى (12) .

 وقال : من يعمل سوءا يجز به (22) .
كذلك مما يؤكد كون العقوبة في مقابل الجريمة وجزاء لها أن الشرع لا يعاقب على الجريمة إلا بعد ثبوتها ثبوتا لا شك فيه ولذلك قرر مبدأ سقوط العقوبة بالشبهات [81, ج-5, ص 942, و 73, ص 552] .
هذا وإن تميز عقوبات الحدود في أنها لا يجوز تعديلها ولا العفو عنها يؤيد ما قلناه من اعتبار الجزاء المقابل العادل كأحد أهداف العقوبات .



قال الإمام ابن حزم الظاهري في معرض حديثه عن أغراض العقوبة : ؛هي جزاء وعقوبة وجزاء وخزي« (62, ج-11, ص 602] .



وما يراه الشافعية في مسألة تعدد الجرائم والعقوبات حيث يرون وجوب توقيع جميع العقوبات المحكوم بها على على الجاني مهما تعددت باعتبار أن كلا منها يقابل فعلا قد ارتكبه الجاني [83, ج-2, ص 882, و 02, ص 66], يؤيد ما قلناه من اعتبار الجزاء كأحد أهداف العقوبات الشرعية .



المبحث السابع
إصلاح الجاني

إن العقوبات الشرعية تهدف إلى إصلاح الجاني وتقويم سلوكه, ومنعه من العودة إلى الإجرام مرة أخرى [02, ص 96, و 9, ص ص 841 - 651] .
فإصلاح حال الجاني هدف مهم من أهداف العقوبات الشرعية سواء كان ذلك أثناء تنفيذ العقوبة أو بعدها فيجب أن يكون هدف مقررومنفذ العقوبة هو الإصلاح وأن يكون عمله لله وليس للتشفي فإن قصد التشفي فهو آثم . وينبغي أن يبين للجاني خطؤه ويبين له أنه إن تاب وأناب بعد العقاب فإن المجتمع سوف يرحب به ولا يؤذيه; بل يعتبره عضوا صالحا نافعا , فلا يتعامل معه بموجب سوابقه; بل بموجب واقعه الذي هو فيه .
ومن الأمور التي يظهر فيها ما يقصده الشارع من إصلاح الجاني هو : أن الشريعة قد ندبت إلى الستر إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ...) الحديث [93, ج-4, ص 2002]

 وندبت إلى التوبة في كل الجرائم التي لم يكشف أمرها باعتبارها مطهرة للذنب إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات (32). وقضت بإسقاط العقوبة في جريمة الحرابة إذا تاب قبل القدرة عليه لقوله تعالى :

إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (42) .

كل هذا يؤكد ما قلناه من أن الهدف المهم الأساسي هو إصلاح الجاني وتقويم حاله وليس الهدف هو تقييد الناس وتوقيع العقوبات عليهم .
واشتراط الفقهاء في الآلة التي تنفذ بها العقوبة بحيث يكون تنفيذ العقوبة زاجرا للجاني لا مهلكا له, يؤيد ما قلناه من أن العقوبات تهدف إلى إصلاح الجاني ولا تهدف إلى الإيلام بذاته فقط .
وتحريم الشريعة السب والشتم للجاني أثناء إقامة العقوبة يؤكد ذلك, فقد ورد في بعض ألفاظ الحديث أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن نفذ عليه الحد : ماله أخزاه الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


(لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) [2, ج-21, ص 57] . 

وكذلك أمرها للمجتمع بقبول المجرم بعد تنفيذ العقوبة وعدم التعرض له بالأذى وعدم تضييق المواقع عليه كل هذا دليل على العناية بجانب إصلاح الجاني [53, ص 05, و 02, ص 96, و 9, ص 841] .
ولقد أشار إلى هذا الهدف العلاجي بعض الفقهاء حين ناقشوا عقوبة النفي من الأرض المقررة لجريمة الحرابة حيث ذكروا أن هدف هذه العقوبة هو إصلاح الجاني, ولذلك يرون أن النفي يجب أن يستمر إلى أن تثبت توبة الجاني وصلاحه [04, ج-01, ص 892] .

وفي نطاق العقوبات التعزيرية فإن الفقهاء أعطوا الهدف الإصلاحي المقام الأول بين الأهداف الأخرى من العقوبات إذ عرَّفوا التعزير بأنه عقوبة غير مقدرة تجب حقا لله أو لآدمي في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة, وهو تأديب استصلاح وزجر [51, ص 632] .

فهرس المصادر والمراجع

1 - الشاطبي, أبو إسحاق إبراهيم, الموافقات, دار المعرفة, بيروت .
2 - البخاري, أبو عبد الله محمد, صحيح البخاري مع فتح الباري, نشر وتوزيع رئاسة الإفتاء بالرياض .
3 - حنبل, الإمام أحمد ابن, المسند, المكتب الإسلامي, بيروت, (8931ه-) .
4 - الغزالي, أبو حامد, المستصفى, الطبعة الأولى, بولاق, مصر (2231ه-) .
5 - زهرة, محمد أبو, فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي, معهد الدراسات العربية العالمية (3691م) .
6 - عيد, الغزالي خليل, أثر تطبيق الحدود في المجتمع, وهو من البحوث المقدمة إلى مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض, وهو من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (6931ه-) .
7 - زهرة, محمد أبو, العقوبة, دار الفكر العربي .
8 - منصور, علي, نظام التجريم والعقاب في الإسلام, الطبعة الأولى (0931ه-) .
9 - حافظ, د. أبو المعاطي, النظام العقابي الإسلامي, مؤسسة دار التعاون .
01 - الفضيلات, د. جبر, سقوط العقوبات في الفقه الإسلامي, دار عمان, الاردن .
11 - الأحول, أحمد, عقوبة السارق, دار الهدى بالرياض, (4041ه-) .
21 - عبد السلام, العز ابن, قواعد الأحكام في مصالح الأنام, دار الجيل, الطبعة الثانية, (0041ه-) .
31 - عودة, عبد القادر, التشريع الجنائي الإسلامي, الطبعة الخامسة, (8831ه-) .
41 - قطب, سيد, في ظلال القرآن, دار العلم للطباعة والنشر, جدة, الطبعة الثانية عشرة (6041ه-) .
51 - الفراء, أبو يعلى محمد, الأحكام السلطانية, دار الكتب العلمية, بيروت, (3041ه-) .
61 - تيمية, أحمد ابن, الحسبة في الإسلام, من مطبوعات الشعب .
71 - قيم الجوزية محمد ابن, أعلام الموقعين, دار الجيل, بيروت .
81 - الهمام, كمال الدين محمد ابن, فتح القدير, المطبعة الأميرية, بولاق, الطبعة الثانية (6131ه-) .
91 - نجيم, زين الدين ابن, البحر الرائق, دار المعرفة, بيروت .
02 - العوا, د. محمد سليم, في أصول النظام الجنائي الإسلامي, دار المعارف بالرياض .
12 - الحديثي, د. عبد الله, التعزيرات البدنية, الطبعة الأولى, (8041ه-) .
22 - قدامة, أبو محمد عبد الله بن, المغني, هجر للنشر والتوزيع, الطبعة الأولى (6041ه-) .
32 - النووي, أبو زكريا يحيى بن شرف, شرح النووي على صحيح مسلم, دار الفكر, (1041ه-) .
42 - العسقلاني, أحمد بن حجر, فتح الباري, توزيع دار الإفتاء بالرياض . 
52 -الشافعي, الإمام محمد ابن إدريس, الأم, مكتبة المعرفة, بيروت .
62 - حزم, علي المحلى ابن, المكتبة التجارية, بيروت .
72 - النيسابوري, أبو الحسن مسلم بن الحجاج, صحيح مسلم بشرح النووي, دار الفكر, (1041ه-) .
82 - الترمذي, أبو عيسى محمد, سنن الترمذي, مطبعة البابي الحلبي بمصر, (5831ه-) .
92 - ماجة, أبو عبد الله محمد ابن, سنن ابن ماجة, دار إحياء التراث العربي .
03 - السيوطي, جلال الدين عبد الرحمن, صحيح الجامع الصغير, والتخريج للألباني, المكتب الإسلامي, الطبعة الأولى, (8831ه-) .
13 - الحاكم, أبو عبد الله النيسابوري, المستدرك على الصحيحين, دار الكتاب العربي, بيروت .
23 - الطبراني, أبو القاسم سليمان, المعجم الكبير, مطبعة الأمة, بغداد .
33 - تيمية, أحمد بن, السياسة الشرعية, المطبعة السلفية بمصر, (9931ه-).
43 - الزيلعي, فخر الدين عثمان, تبيين الحقائق, الطبعة الأولى, (3141ه-) .
53 - عكاز, د. فكري, فلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية والقانون, الطبعة الأولى (2041ه-) .
63 - الأحمد, محمد, حكم الحبس, مكتبة الرشد بالرياض, (3041ه-) .
73 - الماوردي, أبو الحسن علي, دار الكتب العلمية, بيروت .
83 - الشيرازي, أبو إسحاف إبراهيم, المهذب, دار المعرفة, بيروت, الطبعة الثانية (9731ه-) .
93 - النيسابوري, أبو الحسين مسلم بن الحجاج, صحيح مسلم, نشر وتوزيع دار الإفتاء بالرياض .
04 - المرداوي, أبو الحسن علي, الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف, مطبعة السنة المحمدية, (7731ه-) .

زيادة الايجار نظير زيادة المنفعة




بحث
هل يجوز للمؤجر أن يطالب المستأجر بزيادة الإيجار نظير زيادة المنفعة العائدة عليه طوال فترة الإيجار من جراء الأبنية المستحدثة بمعرفة هذا الأخير 


الوقائع:
استأجرت مدرسة دارًا ذات فناء محيط بها ثم أقامت المدرسة في ناحية من الفناء المؤجر إليها عددًا من الغرف استعملتها فصولاً للتلاميذ وذلك دون أن يكون في عقد الإيجار نص يحكم أمر البناء الذي يقيمه المستأجر ودون أن يحصل المستأجر على إذن سابق من المؤجر بالبناء.
ولا شك أن المدرسة المستأجرة ستلتزم عند نهاية الإيجار برد العين المؤجرة خالية من البناء الذي شيدته ما لم يختر المؤجر أن يحتفظ بها على أن يدفع الأقل من قيمة المباني المستحقة الهدم وقيمة ما زاد في قيمة الأرض وذلك طبقًا للمادة (592) والمادة (924) من القانون المدني المصري المقابلة للمواد 65/ 90 – 91 من القانون المدني الملغي.
نقطة البحث:
ولكن النقطة موضع بحثنا هذا هي الوصول إلى معرفة ما إذا كان المؤجر يستطيع أن يطالب المستأجر بزيادة الإيجار نظير زيادة المنفعة التي عادت عليه طوال فترة الإيجار من جراء الأبنية المستحدثة؟ أو بعبارة أعم ما حكم البناء الذي يقيمه المستأجر أثناء عقد الإيجار؟

البحث:
في صدد حل هذا الإشكال يتأرجح الفقه بين قواعد الالتصاق وبين القواعد التي تحكم عقد الإيجار وحق المستأجر في الانتفاع 


بالعين المؤجرة.
فرأى أول نجده عند كثير من كتاب القانون المدني وعلى رأسهم الأستاذان بلانيول وريبير Planiol et Ripert في الجزء الثالث من مؤلفهما في القانون المدني صحيفة (268) و (269) يذهب هذا الرأي إلى القول بأنه إذا لم يتضمن عقد الإيجار النص على تنظيم حالة البناء فإن حق مالك الأرض قبل المستأجر الباني يعطله حق المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة طوال مدة الإيجار وذلك مراعاة للمواد (1719) و(1728) و(1730) و (1731) مدني فرنسي وأن الحل الوحيد للتوفيق بين حق المؤجر مالك الأرض في ملكية البناء طبقًا لقواعد الالتصاق (المواد (551) إلى (555) مدني فرنسي) وحق المستأجر الباني في الانتفاع بالعين المؤجرة هو ألا يخول المؤجر حقه على البناء إلا عند نهاية عقد الإيجار، ونجد نفس الرأي عند الأستاذين أوبري ورو Aubry et Rau في البند (365) من الجزء الرابع من مؤلفهما في القانون المدني.
ونجد نفس الرأي أيضًا عند الأستاذين بودري لاكتينيرى وفال Baudry Lacantinerie et Wahl في الإيجار جزء أول بند (649).
ويرتب أصحاب الرأي الأول على رأيهم هذا أن المستأجر إذا هدم البناء أثناء العقد فليس للمؤجر أن يعترض عليه في شيء لأن كل ما له هو أن يتسلم الأرض عند نهاية العقد بالحالة التي كانت عليها عند بداية العقد.
ويؤيد الرأي نفسه الأستاذ لوران Laurent ويقول إن الحق الوحيد الذي يملكه المؤجر قبل المستأجر هو أن يتسلم أرضه بالحالة التي كانت عليها عند بداية عقد الإيجار، كما يؤيد هذا الرأي أيضًا الأستاذ دفرجييه Duvergier .
فأنصار هذا الرأي إذن يرون أن الالتصاق لا يولد أثره إلا في نهاية الإيجار فلا يتملك المؤجر المباني المقامة إلا عند نهاية عقد الإيجار أما في خلال عقد الإيجار فتبقى هذه الأبنية التي شيدها المستأجر ملكًا له.
وحيث إن هؤلاء الفقهاء يسلمون بملكية المستأجر للمباني التي يقيمها أثناء عقد الإيجار فهم يسلمون بالتالي بأن المؤجر لا يملك أن يطلب إيجارًا عن هذه الأبنية المستحدثة بمعرفة المستأجرين.
وذهب رأي ثانٍ إلى انتقاد هذا الرأي ويبني انتقاداته على ما يأتي:
أولاً: من المبادئ المسلم بها في القانون المدني أن الالتصاق يولد أثره ويرتب الملكية لمالك الأرض بمجرد حصوله بقوة القانون وفقًا للمواد (551) إلى (555) مدني فرنسي المقابلة للمواد من (922) إلى (930) من القانون المدني الحالي والمواد (64) و (66) و (89 – 91) من القانون المدني الأهلي والمختلط.
ثانيًا: أن المادة (1730) وما بعدها التي تقرر حقوق المستأجر تفترض ابتداءً وبداهة أنها لم تتوقع الحالة الاستثنائية التي نحن بصددها وينحسر نطاقها عن نطاق تطبيق المواد (551) - (555) مدني فرنسا الخاصة بالالتصاق.
ومن القائلين بهذا الرأي الأستاذ جويار Guillard في عقد الإيجار بند (297) والأستاذ الدكتور السنهوري في كتابه عقد الإيجار حيث يقول.
(يكون هذا البناء معدودًا ملكًا للمؤجر من وقت إقامته ولا يكون للمستأجر بالنسبة له إلا حق شخصي (يخوله الانتفاع به انتفاعه بالعين المؤجرة نفسها، ويكون البناء مع الأرض عقارًا واحدًا مملوكًا، للمؤجر) [(1)]
فأنصار هذا الرأي الثاني يقررون أن البناء في هذه الحالة ملك للمؤجر فور حصوله ويكون المؤجر مدينًا بأقل القيمتين على أنه – حتى أنصار هذا الرأي – يصلون إلى القول بأن المستأجر يكون له على البناء نفس ما له على الأرض وله أن يستغله طوال عقد الإيجار كما يستغل الأرض، ويقول الأستاذ أ.لارشيه E. Larcher في كتابه عن الإنشاءات De construction أن للمستأجر على البناء نفس ما له على الأرض المؤجر له.
ويعنينا هنا أن نشير إلي مادتين في القانون المدني المصري قد تناولتا هذا الموضوع.
المادة (580): وتنص على ما يأتي:
(لا يجوز للمستأجر أن يحدث بالعين المؤجرة تغييرًا بدون إذن المؤجر إلا إذا كان هذا التغيير لا ينشأ عنه أي ضرر للمؤجر، فإذا أحدث المستأجر تغييرًا في العين المؤجرة مجاوزًا في ذلك حدود الالتزام الوارد في الفقرة السابقة جاز إلزامه بإعادة العين إلى الحالة التي كانت عليها وبالتعويض إن كان له مقتضٍ).
المادة (592): وتنص على ما يأتي:
( إذا أوجد المستأجر في العين المؤجرة بناءً أو غراسًا أو غير ذلك من التحسينات مما يزيد في قيمة العقار التزم المؤجر بأن يرد للمستأجر عند انقضاء الإيجار ما أنفقه في هذه التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك.
فإذا كانت تلك التحسينات قد استحدثت دون علم المؤجر أو رغم معارضته كان له أيضًا أن يطلب من المستأجر إزالتها وله أن يطلب فوق ذلك تعويضًا عن الضرر الذي يصيب العقار من هذه الإزالة إن كان للتعويض مقتضٍ.

إذن نستخلص من هاتين المادتين ما يأتي:
1 - للمستأجر أن يقيم مباني جديدة بالعين المؤجرة إليه ولو بدون إذن المؤجر أو علمه متى كانت هذه المباني لا ينشأ عنها ضرر للمؤجر، وهذا أيضًا ما يذهب إليه أوبري ورو وبلانيول وريبير حيث يسمحون للمستأجر أن يقيم بالعين المؤجرة كل ما يقتضيه شؤون الاستغلال للعين المؤجرة طالما لا ينشأ عن ذلك ضرر للمؤجر.
2 - يعطي المشرع للمؤجر قبل المستأجر الذي يقيم بناءً في العين المؤجرة الحق في أن يحتفظ بالبناء عند انقضاء الإيجار على أن يرد للمستأجر ما أنفقه في بنائه أو ما زاد في قيمة العقار ويخوله أيضًا إذا حصل البناء دون علمه أو رغم معارضته كما هو الأمر في حالتنا - أن يطلب من المستأجر إزالة البناء مع التعويض إذا كان له مقتضٍ.
نخلص من موقف الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمؤجر أن يزيد من الإيجار مقابل البناء الذي يقيمه المستأجر في الأرض المؤجرة إما لأن المستأجر مالك له على الرأي الأول أو لأنه له عليه نفس ماله على العين المؤجرة من حقوق على الرأي الثاني.
ولكن ألا يجدر بنا أي نراعي أن المستأجر قد زادت منفعته من جراء هذه الأبنية الجديدة زيادة تبرر أن يطالب المؤجر بزيادة الأجرة وألا يجدر بنا بالتالي أن نتلمس الحجج التي يمكن أن تؤدي بنا إلى هذه النتيجة؟
لا شك أنه لا يمكن تأسيس المطالبة بزيادة الأجرة في حالتنا على الإثراء بلا سبب لأنه هنا لا يوجد افتقار للدائن وهو المؤجر كما أننا نوجد في نطاق رابطة تعاقدية مما لا يسمح بتطبيق هذه النظرية.
على أننا قد نجد في القواعد العامة من القانون ما يؤدي إلى هذا الرأي.
أولاً: رأينا أن الرأي القائل بأن المستأجر يبقى مالكًا للبناء أثناء عقد الإيجار قد هدمته حجج الرأي الثاني، أما عن الرأي الثاني فيمكننا أن نلاحظ عليه ما يأتي:
1 - أنه وإن كان عقد الإيجار يعطي المستأجر على البناء الذي أقامه نفس الحقوق التي له على العين المؤجرة فلا يمكننا أن ننكر أنه يحمله أيضًا بنفس الالتزامات التي يحملها له الانتفاع بالعين وهي دفع الأجرة، وحيث إن الأجرة تقابل الانتفاع فإنه يجدر أن تزيد الأجرة بزيادة المنفعة.
2 - القانون المدني عندما أعطى بمقتضى المادة (592) للمؤجر قبل المستأجر الباني الحق في الاحتفاظ بالبناء وخوله طلب إزالته إذا كان البناء رغم معارضته أو دون علمه فلا يبدو أنه حرمه من حق طلب زيادة الأجرة مقابل زيادة انتفاع المستأجر.
ثانيًا: بمقتضى المادة (569) إذا هلكت العين المؤجرة هلاكًا جزئيًا أو نقص الانتفاع بها جاز للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة، فمن باب القياس العكسي يمكننا أن نقول إنه إذا زادت العين المؤجرة وزادت منفعة المستأجر بالتالي كان للمؤجر أن يطالبه بزيادة الأجرة.
ثالثًا: قلنا إن الرأي السليم في الفقه هو أن الالتصاق يرتب أثره بقوة القانون وبمجرد حصوله وعلى ذلك يكون المستأجر حائزًا لبناء مملوك لغيره ويستغله أي يحصل منه ثمارًا، وحيث إن الثمار للمالك فليس للمستأجر أن يحصل ثمار البناء بلا مقابل وذلك طبقًا للمادة (804) من القانون المدني المقابلة للمادة 11/ 2 أهلي و 28 من القانون المدني المختلط التي تقول لمالك الشيء الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ما لم يوجد نص أو اتفاق يخالف ذلك.
وحيث إنه يفهم من هذا النص أن المالك لا يحرم من ثمار ملكه إلا بمقتضى اتفاق وفي حدود هذا الاتفاق بمعنى أن ما خرج عن نطاق هذا الاتفاق من الثمار والمنتجات يبقى حقًا قاصرًا على المالك دون غيره، وحيث إن عقد الإيجار لم ينصرف لا صراحة ولا ضمنًا إلى منح المستأجر إلا ثمار الأرض المؤجرة بوصفها أرضًا فضاءً فإن ثمار البناء المقام تخرج عن نطاق ما خول المستأجر من ثمار وتبقى حقًا خالصًا لمالك الأرض وله أن يطالب المستأجر بها.
رابعًا: يحصل المستأجر من المؤجر على قيمة المصاريف التي صرفها في البناء أو قيمة ما زاد في قيمة الأرض فإذا لم يخول المؤجر اقتضاء مقابل انتفاع المستأجر بالبناء لاستفادة ذمة المستأجر بأقل القيمتين وبالزيادة في منفعة العقار ولاختل التوازن بين كفتي المؤجر والمستأجر ويقتضي إعادة التوازن بين المصلحتين تخويل المؤجر رفع الأجرة مقابل زيادة الانتفاع.
ونرى في هذا الوضع صورة وإن كانت مخففة من صور الغبن وبخاصة بعد أن أصبح الغبن بمقتضى القانون المدني الجديد نظرية عامة تستوجب انتقاص الالتزامات المفرطة - المادة (130) من القانون المدني.
هذه هي الحجج التي يمكن أن تدعم الرأي القائل بتخويل المؤجر رفع الإيجار مقابل زيادة المنفعة المترتبة على البناء الذي استحدثه المستأجر.

القضاء المصري:
على أن محكمة القاهرة الابتدائية قد أدلت بدلوها في هذه المسألة [(2)] مقررة أنه (ليس في القانون ما يعطي المؤجر الحق في استقضاء مقابل ما قام به المستأجر نفسه من تعديل أو تحسين في العين المؤجرة، وليس من المقبول عقلاً أن يطالب المستأجر بدفع أجر أكثر لأن انتفاعه بالعين قد زاد عن ذي قبل زيادة لم تكن ملحوظة وقت التأجير، فالمؤجر مكلف بأن يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين تلقاء الأجرة المتفق عليها والفائدة أو الربح الذي يجنيه المستأجر نتيجة انتفاعه مرهون على مقدرته ونشاطه ووسائله وبضاعته التي يزجيها وطريقة فئة في الإعلان واجتذاب العملاء الذين لا يقصدون العين المؤجرة لذاتها وإنما لمحتوياتها) وفي موضع آخر من حكمها تقول المحكمة) وحيث إن المبادئ الواضحة في القانون المدني إن ألزم المؤجر تمكين المستأجر من الانتفاع laisser Jouir [(3)] م 558 كما أجاز للمستأجر الذي تسلم العين غير صالحة للانتفاع الذي أجرت من أجله أو نقص هذا الانتفاع نقصًا كبيرًا طلب الفسخ أو إنقاص الأجرة م 565 كما أوجب على المؤجر صيانة العين مدة الإجارة كما نصت المادة (580) منه على أنه (لا يجوز للمستأجر أن يحدث بالعين المؤجرة تغييرًا بدون إذن المؤجر إلا إذا كان هذا التغيير لا ينشأ عنه أي ضرر للمؤجر، فإذا جاوز ذلك جاز إلزامه بإعادة العين إلى الحالة التي كانت عليها وبالتعويض إن كان له مقتضٍ) كما تكلمت المادة (592) عن حالة قيام المستأجر بغراس أو بناء بعلم المؤجر أو بغير علمه، فالمستفاد من نصوص القانون أن للمستأجر الحق في أحداث تغييرات بالعين المؤجرة، فإذا كان من أثر إحداثها أن يصيب المؤجر ضرر كان لزامًا على المستأجر أن يحصل ابتداءً على موافقة المؤجر ولا داعي لهذا الاستئذان إذا كانت لا تحدث أي ضرر بالمالك، وإذا جاوزت التغييرات الحد المتفق عليه مع المؤجر جاز للمؤجر مطالبة المستأجر بإعادة العين إلى ما كانت عليه مع التعويض، فحق المستأجر مطلق في إحداث التغييرات بالعين وبدون إذن المالك إذا لم ينجم عنها ضرر بالمالك أما إذا كان من شأنها إحداث الضرر به كان لزامًا على المستأجر أن يستأذن المالك قبل إجرائها فإذا صرح له المالك ولكن المستأجر تجاوز حدود هذا التصريح حق للمالك أن يطالب المستأجر بإعادة العين إلى ما كانت عليه مع التعويض.

مجلة المحاماة - العددالرابع - 1954
نعيم عطية المحامي

الدعوى الكيدية


الدعوى الكيدية

1 - الحق والدعوى:

الحق هو كل مصلحة مادية أو أدبية يحميها القانون - ومهمة القانون هي تنظيم حقوق الأفراد وواجباتهم وكفالة احترام المجموع لهذه الحقوق بحيث تصبح قائمة غير معتدي عليها - وطبيعة الحياة الاجتماعية تقتضي اشتباك المصالح وتعارض حقوق الأفراد والتنازع عليها فيجب أن يظل إشراف القانون قائمًا في هذا الخصوص ليحسم ما يجد من خلافات ويفض ما يثور من منازعات - وهذا الإشراف المباشر على اشتباك الحقوق يعهد به القانون إلى سلطة تسهر عليه وتتوفر له – وهي سلطة القضاء.
وطبيعي وقد وجدت هذه السلطة أن يخول القانون الفرد حق الالتجاء إليها لحماية حقوقه وصونها من العدوان، وإذا كان الأفراد بحسب الأصل مطالبين بأنفسهم باحترام هذه الحقوق فإن عدم مراعاتهم لذلك يترتب عليه أن يكون لصاحب الحق المعتدى عليه إلزام المعتدي باحترام حقه – وهذا الإلزام لا بد من وسيلة قانونية لتحقيقه - وهذه الوسيلة هي الدعوى.

وعلى هذا الوجه تكون الدعوى هي الوسيلة القانونية التي يتوجه بها الشخص للقضاء للحصول على تقرير حق له أو حمايته [(1)] وكان التعريف التقليدي للدعوى أنها حق الشخص في المطالبة أمام القضاء بكل ما له أو ما يكون واجب الأداء له، وهذا هو تعريف بوتييه – وقريب منه تعريف الفقه الإيطالي إذ يرى جيوفندا أن الدعوى حق تابع للحق الأصلي الذاتي - فالقضاء وهو السلطة القائمة على حماية الحقوق الذاتية لا يمكن أن يتدخل من تلقاء نفسه لحماية حق اعتدى عليه أو أنكر وجوده بل خول الفرد صاحب الحق المعتدى عليه حق دعوة هذه السلطة إلي التدخل لحماية حقه - وهذا الحق المخول له هو الدعوى.

وقد تكشف اليوم عدم صحة النظر إلى الدعوى بوصفها حق متميز عن الحق الأصلي الذي تقررت لحمايته إذ أنها عنصر من عناصر الحق هو الحماية القانونية الواجبة باعتبارها مصلحة مادية أو أدبية
والدعوى كوسيلة لحماية الحق قد تستعمل بطريق المطالبة أصلاً وقد تستعمل بطريق الدفع الذي يرد به على الطلب فكل ما يقال عن الدعوى يصدق على الدفوع التي يقدمها الخصم للمدافعة بها عن حقه [(2)].


2 - حق الالتجاء إلى القضاء:
يقول الفقيه أهرنج (أن السلام هو الهدف الذي يبتغيه القانون، والمنازعة هي وسيلة الوصول إليه).
(Le paix est le but que poursuit le droit, la lutte est le moyen de l’atteindre.)

وأن كل فرد قد جبل على السعي للمطالبة بحقه وذلك في صالح المجموع.
وحق الالتجاء إلى القضاء حق تنظمه قواعد القانون العام وتحميه نصوص الدستور فيما تحمى وتنظم من حقوق الأفراد - ولهذا فهناك فارق بين الدعوى وبين حق الالتجاء إلى القضاء لأن تنازل رافع الدعوى عنها تنازل صحيح قانونًا لأنه نزول عن حق من الحقوق الخاصة أما تنازله عن حقه في الالتجاء إلى القضاء عمومًا فهو تنازل غير صحيح لأنه تنازل عن حق من الحقوق العامة – مثل تنازل الشخص عن حق من حقوقه السياسية وهو أمر غير جائز لمخالفته للنظام العام – فيقع باطلاً اتفاق رب العمل مع عماله على أن يتنازلوا عن الدعاوى التي تنشأ لهم ضده بسبب ما قد يصيبهم من الأضرار بسبب قيامهم بالعمل عنده - وهذا على خلاف ما يراه ديجي من عدم التفرقة بين الدعوى وبين حق الالتجاء للقضاء إذ أن الدعوى لديه هي المكنة من مطالبة القاضي بوضع حل لمسألة متنازع عليها وإصدار قرار بشأنها - وهذه المكنة يملكها كل فرد له مصلحة في مسألة ما فالدعوى عنده تكون مقبولة في مجال القانون العام كما في مجال القانون الخاص دون أن يقال دائمًا باستنادها إلى حق ما - وليس ثمة ما يمنع أي فرد من الالتجاء إلى القضاء بشأن نزاع يعرض له حول حق له يدعيه أو ينازعه غيره فيه - والضابط في تسيير دفة حق الالتجاء للقضاء هو أن توجه إجراءات التقاضي لتحقيق الغرض الذي وضعت من أجله وهو وضع حد للمنازعات والخلافات وتصفية المراكز القانونية للمتقاضين وحماية حق كل ذي حق - فإذا حكم لصاحب الدعوى أو الدفع فقد توصل إلى ما كان يصبو إليه وصان حقه من النزاع القائم حوله وإن خسر دعواه فيحكم عليه بالمصاريف.
أما أن توجه إجراءات التقاضي لغرض غير مشروع وأن يسيء الفرد حقه في الالتجاء للقضاء فيستخدم هذا الحق بقصد التشهير بخصمه والكيد له أو بقصد تكبيده تكاليف مادية ومعنوية أو بقصد تحقيق مصلحة غير مشروعة فهو الأمر الذي لا يقره القانون ولا تبيحه النصوص الواجب إعمالها واحترامها.


3 - إساءة استعمال حق التقاضي:
أصبحت نظرية سوء استعمال الحقوق نظرية عامة تنبسط على جميع الحقوق وأخذ بها الفقه والقضاء الحديثان وانتظمتها تشريعات الدول الحديثة، فقد نصت المادة الخامسة من القانون المدني المصري على ما يلي:
يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:
( أ ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.
(ب) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقات قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة.
والمعيار الأول الذي وضعته المادة مستمد من توافر نية الإضرار intention de nuire وقد جرى القضاء على استخلاص هذه النية من انتفاء كل مصلحة من استعمال الحق استعمالاً يلحق الضرر بالغير أو من تفاهة المصلحة التي تعود على صاحب الحق في هذه الحالة – وبذا يتداخل المعيار الثاني وهو استعمال الحق ابتغاء تحقيق مصلحة قليلة الأهمية بالنسبة لما يصيب الغير من ضرر في المعيار الأول ويصبح غير منفصل عنه، والمعيار الثالث هو استعمال الحق استعمالاً يرمي إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة كما إذا كان تحقيقها يخالف أحكام القانون أو يتعارض مع النظام العام أو حسن الآداب.
وبذا ترجع كل المعايير الثلاثة لتوافر المصلحة في استعمال الحق ولذا يهمنا تحديد معنى المصلحة في الدعوى حتى نتبين مدى انطباق نظرية إساءة استعمال الحق على الدعوى الكيدية.


المصلحة كشرط لقبول الدعوى: 
الحق هو شرط لوجود الدعوى وقبولها لأن الدعوى في نظر البعض عنصر مكمل للحق وفي رأي ثانٍ من توابع الحق وفي نظر ثالث ظهر حركة الحق - فالدعوى تدور مع الحق الذي وجدت لحمايته وجودًا وعدمًا فهي لا توجد إلا لتكملة الحق ولا يكتمل وجود الحق بدونها - وإذا كانت توجد بعض حالات يظهر فيها الحق بغير دعوى وتظهر الدعوى دون حق فإن هذه الحالات ما هي إلا استثناءات لا تبرر الخروج على هذه القاعدة – ونرى أن نورد فيما يلي سردًا لبعض هذه الحالات الاستثنائية وهي:
( أ ) أن يكون صاحب الحق غير رافع الدعوى ومباشرها ويتصور ذلك في حالتين:
أولاً: بالنسبة للدعوى العمومية إذا كانت في العصور الأولى وقبل التطور القانوني يرفعها المجني عليه أو وليه ثم رئُى إزاء التطور الحاجة إلى تنظيم مباشرة هذه الدعوى التي تمس كيان المجتمع وذلك بعد حصر الأفعال غير المشروعة التي تكون الجرائم التي جمعتها النصوص القانونية - فعهد برفع الدعوى إلى النيابة العامة عن الهيئة الاجتماعية وليس معنى ذلك أن أعضاء النيابة هم أصحاب الحق في رفع الدعوى العمومية فالحق للمجتمع وللفرد المجني عليه ولذا يسمح لهذا الأخير بالاشتراك مع النيابة عن طريق الادعاء مدنيًا في إثبات الجريمة توصلاً للحكم له بتعويض عنها - وسمح له بالنسبة لجرائم الجنح بأن يباشر تحريكها بنفسه عن طريق الدعوى المباشرة وإن كان يقف حقه عند حد تحريكها فليس له حق مباشرتها أو استعمالها.
ثانيًا: عديمو الأهلية وناقصوها لا يستطيعون مباشرة الدعاوى المتعلقة بحقوقهم - ويعهد بهذا الحق إلى الأولياء والأوصياء والقامة الخ...... وهنا يمكن القول إن الدعوى موجودة أيضًا لصاحب الحق وهو عديم الأهلية أو ناقصها ولكن لاعتبارات خاصة بتنظيم المعاملات ورعاية لصالح هؤلاء ولتفادي التأثير عليهم من سائر الأشخاص خول القانون حق مباشرة الدعوى لمن يعينون عنهم.
(ب) في الالتزام الطبيعي l’obligation morale يوجد حق للدائن بدليل أن الوفاء له صحيح وليس دفعًا لما لا يجب ولكن ليس ثمة من دعوى تحمي هذا الحق وفي الحقيقة توجد الدعوى ويستطيع صاحب الحق رفعها ولكن للمدين أن يسقطها بدفعه إياها بمضي المدة مثلاً أو بمخالفة الدين للنظام العام كأن يكون دين قمار مثلاً - وهذا الدفع لا يعدم الدعوى وإن كان يشل حركتها إذ لا يكون له أثر ما عليها إلا إذا تمسك به المدين - إلا إذا كان الدفع متعلقًا بالنظام العام وحينئذ تستطيع المحكمة الأخذ به من تلقاء نفسها - والشريعة الإسلامية لا تعرف نظام سقوط الحق بالتقادم فالدائن الذي تقادم دينه لا يزال دائنًا حقيقة ولكن لا يستطيع إقامة الدليل على وجود دينه بعد أن يتمسك المدين بالتقادم.
وإذا كان الحق هو أساس لوجود الدعوى فما هو مكان المصلحة في الدعوى؟
المصلحة شرط لقبول الدعوى وهي الفائدة التي يجنيها رافع الدعوى من الحكم له بما يطلب - إذا كان للمدعي حق اعتدى عليه أو مهدد بالاعتداء تحققت مصلحته في قبول الدعوى ومن ثم فالمصلحة في قبول الدعوى وثيقة الصلة بالاعتداء على الحق فهي تدور معه وجودًا وعدمًا - وإذا كان الاعتداء أو التهديد به هو الذي يحقق المصلحة فهو ليس مرادفًا لها وإن كان سببًا لتحققها – والاعتداء يكون من ناحية أخرى في تحقيق الحاجة إلى حماية القانون وهذه الحاجة هي التي ترادف المصلحة في الدعوى – فالمصلحة إذن هي الحاجة إلى حماية القانون - ففي دعوى المطالبة بدين معين لا ينظر في قبولها إلى نشوء الدين واستقراره في الذمة ودوام انشغالها به – وإنما ينظر فيها إلى تحقيق الشرط في المطالبة بالدين كحلول أجله مثلاً وعدم وجود مانع من المطالبة به مثل سبق الفصل فيه أو حصول الصلح بشأنه أو زوال الصفة من الطالب بحوالته للغير - والدعوى غير المباشرة مثلاً لا ينظر في قبولها إلى وجود حق الدين المطلوب تقريره بل ينظر إلى توافر الشروط التي تحقق مصلحة الدائن في المطالبة بحقوق مدينه مثل إعسار المدين وإهماله في المطالبة بحقوقه قبل الغير.
والمصلحة سواء أكانت قانونية أم اقتصادية يجب أن تكون مصلحة مشروعه وجدية وبذا تصبح المصلحة غير المشروعة عاجزة عن إمكان قبول الدعوى معها.
والمصلحة تكون غير مشروعة إذا كان موضوع الدعوى تنفيذ أو إبطال عقد مخالف للنظام العام أو حسن الآداب أو إذا قصد رافع الدعوى الانتقام من المدعى عليه والكيد له.
( أ ) فإذا كان موضوع الدعوى تنفيذ عقد مخالف للنظام العام أو لحسن الآداب فإن القضاء يمتنع عن سماع مثل هذه الدعوى فإذا لجأ شخص إلى القضاء يطالب خليلته بتنفيذ عقد قائم بينهما موضوعه استمرار العلاقة بينهما، وإذا رفع موظف دعوى على آخر يطالبه بتنفيذ عقد وعد بالرشوة فمثل هذه الدعاوى يرفضها القضاء وسبب رفضه إياها أنه لا يمكن له أن يتدخل لإقامة مركز غير مشروع أو لحماية حق يتعارض مع النظام العام أو حسن الآداب، لأن وظيفة القضاء الأساسية هي رعاية حسن تطبيق القانون وضمان احترام مبادئ النظام العام وحسن الآداب وسيادتها.
(ب) أما إذا كان موضوع الدعوى إبطال العقد المخالف للآداب أو للنظام العام فقد اختلف الفقه والقضاء بشأن قبولها وهل تعتبر مصلحة رافعها مشروعة أو غير مشروعة - ونرى مع الرأي الذي يقول بأن مصلحة المدعي في أمثال هذه الدعاوى هي مصلحة مشروعة تقبل الدعوى على أساسها إذ أنه ليس للقضاء أن يتخلص من المنازعات المخالفة للأخلاق والآداب ما دام أنه في النهاية يضع الأمور في نصابها بل أنه مما يخالف النظام العام وحسن الآداب أن ترفض دعوى المدعي باسترداد ما دفع بناءً على عقد مخالف للنظام العام أو للآداب وأن يظل ما دفع بين يدي من تسلمه لأن في ذلك محافظة على حالة مخالفة للآداب - نقول ذلك بينما أخذت بعض المحاكم بالرأي العكسي إذ قضت محكمة الاستئناف الأهلية (أنه إذا ظهر للمحكمة أن العقد باطل لعدم مشروعية سببه وجب عليها ألا تساعد أيًا من الطرفين بل تترك الحالة على ما هي عليه فلا تأمر بتنفيذ ما لم ينفذ ولا بإعادة ما تنفذ من التعهد بمقتضى العقد، وعلى ذلك إذا كان هذا العقد الباطل عقد بيع وحصل تسليم جزء من الأرض المبيعة بقى هذا الجزء مع المشتري وبقى ما لم يسلم مع البائع [(3)] ولكن من الأحكام المصرية ما قرر العدول عن هذا الرأي وأخذ بجواز الاسترداد وجاء تأييدًا لهذا الرأي حكم لمحكمة العطارين جاء فيه (إنه اختلفت الآراء في جواز استرداد ما دفع تنفيذًا لتعهد قائم على سبب مخالف للآداب أو للنظام العام إلا أنه مما لا شك فيه أن نتيجة الرأي القائل بعدم جواز الاسترداد يؤدي حتمًا إلى إقرار حالة يأباها القانون - لأن حرمان أحد العاقدين من استرداد ما دفعه عقابًا له على ما فرط منه معناه تمكين العاقد الآخر من الاستمتاع بما حصل جزاء على إجرامه أو تدليسه أو خروجه على الآداب العامة ومهما قال أنصار هذا الرأي في تأييده فالأوفق والأكثر انطباقًا على القانون ألا يترتب على العقد ذي السبب غير المشروع أي أثر قانوني وأن تعود الحالة إلى ما كانت عليه قبل العقد [(4)]، أما الفقه في مصر فإن بعضه يساير هذا الرأي الأخير إذا جاء في نظرية العقد للدكتور السنهوري (أن الرأي الجدير بالاتباع هو الرأي الذي يذهب إلى جواز الاسترداد في كل الأحوال لأنه يتمشى مع منطق البطلان)، وجاء في ديمولومب [(5)] (أن في الأخذ بالرأي القائل بعدم جواز الاسترداد خروجًا على قواعد العدالة) ويرى ديموج هذا الرأي [(6)]، وقد أيدت محكمة النقض الفرنسية هذا الرأي فاعتبرت أن تبديد المبلغ المقبوض لتحقيق غرض غير مشروع خيانة أمانة.
(ج) الدعوى المرفوعة بقصد الانتقام أو الكيد للمدعى عليه:
هذا النوع من الدعاوى التي ترفع بقصد الإضرار بالمدعى عليه يحمل في طياته أبلغ تصوير لتوافر المصلحة غير المشروعة وقد قال أحد الفقهاء [(7)] إن إساءة استعمال الحق هي عبارة عن عدم وجود مصلحة أو وجود مصلحة غير مشروعة يقصدها من يستعمل الحق، وهذا تطبيق للمبدأ العام (لا دعوى حيث لا مصلحة) فلا حق بلا مصلحة أدبية أو مادية تكون أساسًا له أو لاستعماله فعندما لا توجد مصلحة في التقاضي يصبح الدافع إلى القيام برفع الدعوى غير شرعي وبالتالي يمكن أن يكون جنحة مدنية، وعندئذ لا تكون بصدد مباشرة حق من الحقوق، بل بصدد إساءة استعمال يؤدي إلى مسؤولية صاحبه) وجاء في أوبري ورو (إن استعمال الحق يصبح غير مشروع إذا كان ذلك الاستعمال لا يتم في سبيل مصلحة يعترف بها القانون أيًا كان الدافع لهذا الاستعمال سوء النية أم سواه) [(8)] وجاء في جلاسون (إن حق الالتجاء إلى القضاء مفتوح للجميع وعلى كل شخص ألا يستعمل هذه الحرية إلا على مسؤوليته فإذا أقام شخص دعوى على آخر دون استناد إلى حق بل عن سوء نية وسبب له بذلك ضررًا، أو إذا رفع عليه دعوى مع وجود حق له ولكن في حالة عدم توافر الشروط المطلوبة كعدم توفر مصلحة شرعية وبقصد الإساءة إليه، فعليه دفع تعويض، وليس من شك في أننا نكون بصدد إساءة استعمال للحق عندما يكون لشخص حق (المداعاة) دعوى ولكنه يستعمله بسوء نية وبدون وجود ما يبرر هذا الاستعمال من مصلحة أو بواعث مشروعة) [(9)]، ولوضع ضابط لتوافر المصلحة الغير المشروعة اختلفت أحكام المحاكم فبعضها كان يشترط توافر سوء النية عند رافع الدعوى وبعضها كان يكتفي بأن يكون المدعي قد رفع دعواه عن رعونة وعدم احتياطية مما سبب ضررًا بالمدعى عليه باعتبار أن هذا ينطوي على سوء النية، ومن هذا الرأي الأخير المحكمة التجارية بالإسكندرية إذ جاء بحكمها إن (الدعوى المرفوعة بإشهار إفلاس شخص نتيجة تسرع وبدون تروٍ بسبب توقف هذا الشخص عن دفع دين لم يستقر تكون إساءة لاستعمال حق الدعوى) [(10)] وحكمت محكمة المنصورة بأنه (من المتفق عليه قضاءً أن طلبات إشهار الإفلاس المرفوعة بسبب التوقف عن دفع دين ناتج من حساب جار متنازع عليه وما زال موضوعًا لدعوى أمام القضاء مرفوعة من المدعى عليه في دعوى الإفلاس تكون تعسفية وكيدية [(11)] على أنه من الناحية العملية ليس ثمة فارق كبير بين كلا الرأيين، والعبرة بالإثبات فإذا اكتفينا بعدم الاحتياط والتروي يكون على من يدعي عليه بأنه رفع الدعوى بغير مصلحة مشروعة تبرر ذلك أن يثبت أنه رفعها باحتياط وتروٍ، أما إذا اشترطنا سوء النية فعلى من يطالب بالتعويض أن يقيم عليه الدليل [(12)].
وبهذا يكون قصد الإضرار والكيد في رفع الدعوى مظهرًا من مظاهر عدم مشروعية المصلحة - ويكون تفسير المعايير التي نصت عليها المادة الخامسة من القانون المدني كضوابط لنظرية سوء استعمال الحقوق في خصوص حق الدعوى - يكون تفسيرها جميعًا على ضوء المصلحة في الدعوى وهل هي مشروعة أو غير مشروعة.


5 - ما تنص عليه المادة (361) من قانون المرافعات:
وقد أتت المادة 361 مرافعات بنص خاص بالدعوى الكيدية يجري كالآتي: (يجوز للمحكمة أن تحكم بالتضمينات في مقابل النفقات الناشئة عن دعوى أو دفاع قصد بهما الكيد) وهذا النص غير مستحدث بقانون المرافعات الجديد بل كان له مقابل في القانون الملغي هو المادة (115) التي كانت تنص على أنه (يجوز للمحكمة في جميع الدعاوى أن تحكم بالتعويضات في مقابل المصاريف الناشئة عن دعوى أو مدافعة إذا كان القصد بها مكيدة الخصم) ومفهوم هذين النصين أن التعويض يكون عن المصاريف أو النفقات التي تحملها المدعى عليه في دعوى قصد بها الكيد، وهذه المصاريف هي غير المصاريف التي يلتزم بها من يخسر دعواه إذ أن المصاريف هي الرسوم القضائية التي تكبدها من رفع الدعوى ويحكم بها على المدعي إذا رفضت دعواه أو يحكم بها على المدعى عليه إذا كسب المدعي دعواه وهو توزيع اقتضاه وجوب تحمل التبعة القضائية – ومعنى ذلك أن المادة الجديدة (361 مرافعات) والمادة القديمة على السواء تقصر التعويضات على المصاريف التي لم يحكم بها وتكون ناشئة عن الدعوى عندما يكون القصد منها مكيدة الخصم فأغفلت تعويض ما يقابل الأضرار الأخرى التي تكون قد لحقت الخصم كما أغفلت الحالات الأخرى غير الحالة التي يتوافر فيها قصد المكيدة.
ونرى أن نص المادة (361) مرافعات وهو تطبيق لنظرية سوء استعمال الحقوق يخرج فيه استعمال حق التقاضي عن نطاق الاستعمال المشروع للحق بدعوى أو دفاع فإن هذه الإساءة تعد صورة من صور الخطأ الموجب للمسؤولية الخطئية - ومن قواعد هذه المسؤولية أن يتماثل الضرر والتعويض وأن يكون هذا التعويض شاملاً لكل ما يترتب من ضرر نتيجة للخطأ الأمر الذي يقتضينا التسليم بوجوب التعويض عن كافة الأضرار الناجمة عن الدعوى والدفاع الكيديين سواء أكان ضررًا ماديًا تكبده المدعى عليه بسبب الدعوى ولو كان خارجًا عن نطاق المصاريف أم كان ضررًا أدبيًا محضًا أصاب المدعى عليه في سمعته واسمه بسبب التشهير به بالدعوى والكيد له بها أمام القضاء - وقد قضى بأن كل دعوى كيدية تحدث ضررًا ماديًا أو أدبيًا يترتب عليها الحق في طلب التعويض فيجوز للمستأنف عليه أن يطلب من محكمة الاستئناف أن تحكم له بالتعويض ولو لم يطلبه أمام محكمة أول درجة إذا ثبت أمام محكمة الاستئناف أن الاستئناف كيدي والدعوى كيديه [(13)].
وحكم بأن الخصم الذي يرفع على خصمه دعاوى عدة لا أصل لها بقصد مشاغبته يكون مسؤولاً عن تعويض جميع الأضرار المالية والأدبية التي تصيب خصمه بالغة ما بلغت ما دامت هذه الدعاوى لم يقصد بها في الحقيقة ونفس الأمر المطالبة بحق أو الدفاع عن مصالح جدية مشروعة ويتبين للقضاء أن رفعها كان بسوء نية وبقصد جر خصمه إلى ساحات القضاء للتشهير به أو لإجباره على صرف مصاريف ورسوم كان في غنى عنها [(14)].
وحكم كذلك بأنه يستحق التعويض عن الدعوى الكيدية التي رفعت وحجز فيها تحت يد الغير بناء على شيك لا سبب له وترتب عليه بذل مجهود شاق للرد على أساليب دفاع الخصم الملتوية [(15)].
وجاء بحكم لمحكمة المنيا أنه (لما كانت الدعوى والمدافعة المشار إليهما في المادة (115) مرافعات ما هما إلا وسيلتان مقررتان لحماية الحقوق كان مبحث المسؤولية المدنية المترتبة على المادة (115) هو واحد من مباحث الإسراف في استعمال الحقوق بدون مقتضٍ أو سوء استعمال الحق Abus de droit فليس كل طعن بالتزوير أو إنكار للإمضاء يوجب التعويض تطبيقًا للمادة (115) مرافعات بل لا بد من أن يثبت أن الادعاء كان بسوء نية أو كان قد دفع به بقصد المكيدة أي أن إنكار التوقيع باعتباره حقًا من الحقوق المقررة بالقانون يكون موجبًا للتعويض إذا ثبت أن استعماله كان بغير مسوغ شرعي أو مقتضى إلا الرغبة في الكيد والإضرار الأدبية المجردة عن أي أثر مادي هي أمور اعتبارية محضة يستحيل على المحاكم تقويمها وليس هناك أساس لزنتها بل على القضاء أن يعالج كل حالة على حدة وعلى أساس أنه ما دام الضرر أدبيًا فيجب أن يكون التعويض كذلك ويكفي فيه إقرار القضاء بخطأ الخصم لأن الشرف لا يقوم بمال [(16)].
فهذا الحكم وإن كان قد اعتبر التعويض عن الضرر الأدبي أمر اعتباري محض يستحيل على المحاكم تقويمه إلا أنه قرر مبدأ التعويض عن الضرر الأدبي الناشئ عن الدعوى الكيدية وهو مبدأ نرى وجوب الأخذ به واتساع مجال نص المادة (361) مرافعات بحيث يشمله - وإن كانت بعض المحاكم لا تقضي إلا بمبلغ تافه كتعويض رمزي عن مثل هذا الضرر فإن هذا لا يمنع المحاكم الأخرى من القضاء بتعويض كامل تقدره هي بموجب مالها من سلطة تقديرية وذلك على قدر الخطأ ومدى ما أصاب المدعى عليه من خدش لسمعته وإضرار بكرامته واعتباره – ونرى وجوب الحكم بتعويض كامل غير رمزي عن الضرر الأدبي ويخضع تقديره لسلطة محكمة الموضوع والتعويض إن لم يعتبر في هذه الحالة معوضًا عن الضرر الأدبي إلا أنه يعتبر نوعًا من رد الاعتبار والسمعة المخدوشة فوق أنه يعتبر نوعًا من العقاب المدني للمسؤول.


6 - المسؤولية عن الخطأ الشخصي:
وإذا استقام كل ما تقدم تكون المادة (361) مرافعات صورة من صور المسؤولية التقصيرية كما قلنا إذا أن استعمال الحق استعمالاً غير مشروع يعد نوعًا من الخطأ الذي تنص المادة (163) مدني على وجوب تعويضه بقولها (كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض) وبهذا يقع على عاتق طالب التعويض عبء إثبات الخطأ والضرر ورابطة السببية بينهما - ويرى هذا الرأي المرحوم أبو هيف (بك) إذ يقول (فإذا أصاب الخصم الآخر ضرر في ماله أو سمعته من هذه الدعوى المرفوعة لمجرد المعاكسة أو الإضرار به فله طبقًا لقواعد المسؤولية العامة أن يطلب الحكم له بتعويض هذا الضرر طبقًا للمادة (151) مدني وبهذا اكتفى القانون عن وضع طرق مانعة لرفع الدعاوى) [(17)].
ويرى كذلك الأستاذ مصطفى مرعي أن قواعد المسؤولية المدنية هي التي يجب أن تراعى في هذا الشأن لأن المادة (115) مرافعات ليست إلا تطبيق هذه القواعد).
وتطبيقًا لذلك قضى بأنه إذا ثبت أن الدعوى ما هي إلا تجديد لنزاع سبق الفصل فيه جاز إلزام المدعي فيها بتعويض الضرر الناشئ عنها [(18)] إذ أن رفعه إياها من جديد يدل على تعنته وعدم رضوخه لما قضى به لخصمه.
وإذا كان مناط تقرير حق الالتجاء للقضاء هو التوصل إلى الحماية القانونية للحق وصونه من الاعتداء عليه وإلزام الخصم بالاعتراف به فإن رافع الدعوى الذي لا يرضي بما عرضه عليه خصمه من الوفاء له بحقه والاعتراف به قبل رفع دعواه أو بعد رفعها وقبل قيدها يعتبر متعنتًا في لجوئه للقضاء أو في إتمام قيد دعواه ويجب عليه التعويض إذ لم تكن له مصلحة في الدعوى بعد أن اعترف خصمه له بحقه وعرض عليه جديًا تسوية النزاع وديًا، وقد قضت محكمة النقض (أن أساس التقاضي إنما هو النزاع في الحق الذي يطلبه المدعي وما دام هذا الحق مسلمًا به ممن وجهت عليه الدعوى فغرم التداعي يقع على المدعي [(19)] هذا إن لم تستبين المحكمة أن رفع الدعوى في هذه الحالة ليس إلا بقصد تحقيق غرض غير مشروع وهو الكيد للخصم والعنت له فحينئذ يكون التعويض واجبًا باعتبار أن الدعوى كيدية:


وحكم أيضًا أنه [(20)]:
( أ ) (متى كانت المحكمة قد استخلصت في حدود سلطتها الموضوعية من ظروف الدعوى وقرائن الحال فيها أن دعاوى الاسترداد التي رفعت من الغير وقضى فيها جميعًا بالرفض كانت دعاوى كيدية أقيمت بإيعاز من الطاعن والتواطؤ معه إضرارًا بالمطعون ضده كما استدلت على كيدية الدعاوى التي رفعها الطاعن على المطعون ضده بمضيه في التقاضي رغم جميع دعاويه السابقة وباستمراره في اغتصاب الأطيان موضوع النزاع رغم الأحكام المتعددة الصادرة عليه - فإنه يكون في غير محله النعي على حكمها بالقصور في بيان ركن الخطأ في مسؤولية الطاعن).
(ب) (متى كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه إذ قضى عليه بالتعويض عن الضرر الذي أصابه بسبب الدعاوى الكيدية التي رفعها الطاعن قرر أن مسلك هذا الأخير استنفذ من وقت المطعون عليه ومجهوده وماله الشيء الكثير ليجابه نشاط خصمه وإن هذه الإجراءات الكيدية التي عانى منها المطعون عليه وأقلقت باله في مدى أحد عشر عامًا تقدر المحكمة عنها المبلغ الذي قضت به فإن في هذا الذي أورده الحكم البيان الكافي لعناصر الضرر الذي قضى بالتعويض عنه).
ومن ناحية أخرى يجب أن يترك للمدعى عليه في دعوى التعويض عن دعوى قيل أنها رفعت كيدًا فرصة إثبات حسن نيته وأنه كان مدفوعًا في دعواه لتحقيق مصلحة جدية ذات أهمية ومشروعة - فإذا كان الأمر قاصر على تفسير نص في القانون اختلف عليه الشراح فلا محل للحكم بتعويض بناءً على أن الدعوى كيدية [(21)] - وكذلك لا يعتبر قبول تدخل خصم في لدعوى بأنه كيدي موجب للتعويض وقد قضى بأنه إذا كان الخصم لم يندفع في طلباته بروح كيدية بل كان يعزز دفاعه بحسن نية فلا يصح الحكم عليه بتعويضات بدعوى أن دفاعه كيدي [(22)].


7 - حق دفع الدعوى La Défanse:
أما حق دفع الدعوى فإنه وإن كان مباحًا بحسب الأصل إلا أنه ليس حقًا مطلقًا من كل قيد بل مرتبط بالحكمة التي دعت إليه - وهذه الحكمة هي تمكين المدعى عليه من الدفاع عن نفسه – أما إذا كان المدعى عليه قد ساق دفاعه لا يقصد حماية حق يعتقد أنه له بل يقصد معاكسة المدعي وتطويل الإجراءات وتعويق الفصل في الدعوى فإن هذا الحق يخرج عن دائرة الحماية الواجبة له وينقلب خطأ مستوجبًا للمسؤولية – فإنكار الدعوى وإن كان في الأصل حقًا لكل مدعي عليه يقتضي به إلزام خصمه بإثبات دعواه إلا أن هذا الحق ينقلب مخبثه إذا ابتغى المدعى عليه مضارة خصمه فأساء استعمال حقه وتمادى في الإنكار أو غلا فيه أو تحيل به [(23)].
وقد يكون الإنكار في ذاته خطأ مستوجبًا للمسؤولية إذا ثبت كذبه وثبت عدم وجود عذر لدى المنكر وذلك كما إذا أنكرت أخت أخاها أو أخ أخاه أو أنكر وارث صفة وارث آخر في دعوى المطالبة بريع نصيبه في تركة مورثه وقد حكم بأنه يعد دفاعًا كيديًا إنكار الأخت لأخيها فيحكم على الأخت بتعويض الضرر المادي الذي أصاب أخاها من جراء هذا الإنكار وهي المصاريف التي صرفت منه في إثبات وراثته وتلزم أيضًا بتعويض الضرر الأدبي الذي أصاب أخاها بسبب إنكارها [(24)] وقضى كذلك بأن (لكل إنسان أن ينكر الدعوى الموجهة إليه وأن يلزم مدعيها بإثباتها، على أن القانون لم يجعل هذا الحق مطلقًا من كل قيد، بل قيده بعدم إساءة استعماله... وليس من الصعب التفرقة بين المدافعة المقصود بها مكيدة الخصم والمدافعة المقصود بها الدفاع عن حق مدع به – فالمدافعة الأولى سلاح المبطل العالم بحق خصمه، ولا يقصد من استعمالها غير إرهاق الخصم وإرغامه على أن يقنع بالقليل ويرضي به - والمدافعة للثانية يرجى منها تثبيت حق يعتقد أنه له – والنوع الأول هو الذي فيه يلزم صاحبه بالتعويض المناسب [(25)].
ويحكم أيضًا بالتعويض عندما يقوم الدفاع على غلط جسيم يمكن اعتباره مساويًا للتدليس une erreur grossière équipollente au dol أو إذا ما انطوى ما اتبع من إجراءات على المدافعة العنيدة الخالية من الحق [(26)].
ويعد في حكم الدفاع الطعن بالتزوير أثناء نظر دعوى معينة أو إنكار الخط أو الإمضاء وقد أخذ المشرع على ما نعتقد بما تقتضيه نظرية إساءة استعمال حق التقاضي من النظر إلى مثل هذين الإجراءين بعين الحيطة والاهتمام نظرًا لجواز اللجوء إليها بقصد العنت والكيد وإطالة أمد النزاع وتعقيد الإجراءات أمام القضاء - فنص في المادة (288) مرافعات على أنه (إذا حكم بسقوط حق مدعي التزوير في ادعائه أو برفضه حكم عليه بغرامة قدرها خمسة وعشرون جنيهًا) وجاء قانون الإجراءات الجنائية بنص مقابل لهذا النص هو المادة (298) التي تقضي بأنه (في حالة إيقاف الدعوى يقضي في الحكم أو القرار الصادر بعدم وجود التزوير بإلزام مدعى التزوير بغرامة قدرها خمسة وعشرون جنيهًا).
وبالوقوف عند هذين النصين نجد أن المشرع اكتفى بمجرد رفض الادعاء بالتزوير كلية لكي يحكم بالغرامة المقررة بالقانون وهي خمسة وعشرين جنيهًا وظاهر أن هذه الغرامة ليست تعويضًا للمدعي عليه في التزوير بل هي غرامة تقتضيها الدولة كعقوبة لمدعي التزوير على إقدامه على دفاع خطير استلزم جهدًا طويلاً وترتب عليه تعقيد في الإجراءات وإطالة في أمد الفصل في النزاع الأصلي - دون أن يعمل حيطته ورويته - فاعتبر أن هذا العمل من جانبه خطأ جسيم يقضي بسببه بالغرامة عليه - وذلك سواء أكان في طعنه بالتزوير قاصدًا الكيد للمطعون ضده أو غير قاصد - أما إذا توفر شرط الكيد والعنت وقصد الإضرار والشغب أو تبين أنه ما من مصلحة جدية مشروعة كانت تقتضيه الطعن بالتزوير كما لو كانت الورقة المدعي بتزويرها ظاهر أنها صحيحة فحينئذ يكون للمدعي عليه بالتزوير حق رفع دعوى تعويض عن هذا الدفاع الكيدي - وكما قضت محكمة المنيا الكلية ليس كل طعن بالتزوير أو إنكار للإمضاء يوجب التعويض تطبيقًا للمادة (115) مرافعات بل لا بد من أن يثبت أن الادعاء كان بسوء نية أو كان قد دفع به بقصد المكيدة، ونرى أن الحكم الصادر برفض الادعاء بالتزوير وتغريم مدعيه بالغرامة المذكورة قد تنهض أسبابه قرينة على توافر سوء النية المطلوب لوجوب التعويض.
أما إنكار الخط أو الإمضاء فقد تحوط له المشرع أيضًا فنص في المادة (275) مرافعات على أنه (إذا حكم بصحة كل الورقة فيحكم على من إنكرها بغرامة من أربعة جنيهًا إلى خمسة عشر جنيهًا) وكما قلنا بخصوص الادعاء بالتزوير ليس إنكار التوقيع أو الإمضاء إلا دفاعًا مباحًا إذا لم يسيء المنكر استعماله، أما المحكم الصادر برفضه وبتغريم المنكر فليس إلا قرينة بسيطة على توافر سوء النية يجوز دائمًا دحضها بإثبات أن المنكر لم يكن يبتغي إلا إلى الوصول إلى حقه برفض دعوى المدعى دون قصد إضرار ودون بغية تحقيق مصلحة غير مشروعة فإنكار التوقيع باعتباره حقًا من الحقوق المقررة في القانون لا يكون موجبًا للتعويض إلا إذا ثبت أن استعماله كان بغير مسوغ أو مقتضٍ إلا الرغبة في الكيد.
وقد قضى بأن الإنكار الكيدي هو حقيقة قانونية تقوم على أركان ثلاثة أولها خروج المنكر بإنكاره عن حدوده المشروعة بقصد مضارة خصمه – وثانيهما كون هذا الإنكار ضارًا فعلاً وثالثهما كون الضرر الواقع قد ترتب فعلاً على هذا الإنكار وبينهما علاقة السببية، فالحكم الذي يقضي بمسؤولية خصم عن الأضرار الناشئة عن إنكاره إذا اقتصر على التقرير بصدق مزاعم المدعي في ادعائه بأن الإنكار كيدي ولم يوازن بينها دين دفاع المدعى عليه ولم يعنَ بإيراد العناصر الواقعية والظروف الحاصلة التي يصح استخلاص الكيدية منها بمعناها القانوني يكون حكمًا معيبًا متعينًا نقضه [(27)].


8 - إجراءات الطعن: Voies de recours
وقد تكون إجراءات الطعن مجالاً لإساءة الاستعمال والخروج عن المألوف الواجب مراعاته - فطرق الطعن في الأحكام لا يجوز الالتجاء إليها إلا بقصد الوصول إلى حق مشروع أو حماية قانونية لحق متنازع عليه أما أن يسخر الطاعن استئنافه مثلاً بغية إطالة أمد النزاع وتعويق تنفيذ الحكم الصادر لمصلحة المستأنف ضده فهو الأمر الذي لا يقره القانون وينطبق عليه نص المادة (361) مرافعات بمعناه الواسع الذي تكلمنا عنه آنفًا - فمن يرفع استئنافًا مع صراحة نصوص الاتفاق موضوع النزاع يكون مسؤولاً عن ذلك [(28)] وقضى بأنه يجوز الحكم للمستأنف عليه بالتعويض إذا لم يكن الغرض من الاستئناف سوى تعطيل الإجراءات [(29)] وقضى كذلك بأنه يجوز قبول دعوى التعويض التي لم ترفع أمام المحكمة الابتدائية إذا كانت مطلوبة بسبب موقف الخصم في الاستئناف [(30)] ويلحق الخطأ الجسيم والالتجاء إلى استئناف الحكم دون إعمال روية ودون تحوط - بسوء النية وقصد المكيدة في معنى مسؤولية المستأنف إذ أن إجراءات التقاضي لا يصح أن تكون محلاً للتهور أو للخطأ الجسيم الذي يضر بمرفق القضاء وبالخصوم.


9 - إجراءات التنفيذ: mesures d'éxecution
وتجد نظرية سوء استعمال الحقوق مجالاً كذلك في إجراءات التنفيذ والتحفظ فكثيرًا ما يسيء الدائن استعمال حقه في التنفيذ على مدينه وتنطق الإجراءات التي يتخذه بقصد في التشهير به ورغبته في مضايقته – وقد قضى بأنه يعتبر كيديًا الحجز التحفظي تحت يد عدة مصارف بناءً على مبلغ تافه وضد محل تجاري ملء ومع عدم وجود أي خطر ظاهر يسير الإجراءات بصفة عادية [(31)]، وكما لو تعسف الحاجز فأوقع حجزًا في غير روية قبل أن يتحرى ملكية مدينة لما أوقع الحجز عليه أو كان يعلم بعدم ملكية مدينه وأوقع الحجر رغم هذا العلم فإنه يجب عليه تعويض المسترد عما أصابه من الضرر الناشئ عن الحجز [(32)].
وبما أن القانون قد قضى على طلب التنفيذ قبل أن يشرع في التنفيذ أن يقوم بإعلان الحكم أو السند التنفيذي إلى نفس الخصم أو محله (المادة (460) مرافعات) فإنه يعتبر مخطئًا مسؤولاً عن الضرر الناشئ عن خطئه الدائن الذي يهمل في التحري عن محل إقامة مدينه ويعلنه في النيابة (رجال الإدارة طبقًا لنص المادة (12) مرافعات) بدلاً من أن يعلنه في موطنه الأصلي [(33)] وطبعي أن خطأ الدائن يتضاعف إذ كان يعلم محل إقامة مدينه فيتجاهله ويعلنه لجهة الإدارة ابتغاء مضارته.
والحجز الذي يوقعه المؤجر على المنقولات الموجودة بالعين المؤجرة وفاءً لأجره لم تحل بعد هو حجز باطل يعرض الحاجز للحكم عليه بالتعويض - ومثله الحجز التحفظي الاستحقاقي الذي يوقعه المؤجر على أمتعة لم تكن بالعين المؤجرة أو كانت بها ثم نقلت منها ومضت على نقلها مدة تزيد عن شهر كامل - ولا يحول دون مساءلة الحاجز أن يكون الحجز قد صدر بناءً على أمر من القاضي لأن الأمر إنما يصدر للطالب تحت مسؤوليته [(34)].


10 - التشريع:
وقد تأثر المشرع في قانون الإجراءات الجنائية ومن قبله بالقانون رقم (19) لسنة 1941 بشأن الأوامر الجنائية والذي استعيض عن أحكامه بالمواد من (323) حتى (330) من قانون الإجراءات الجنائية - تأثر بنظرية سوء استعمال الحقوق - إذ نص في المادة (328) فقرة ثانية إجراءات جنائية المقابلة لنص المادة السادسة من القانون رقم (19) لسنة 1941 على أن للمحكمة أن تحكم في حدود العقوبة المقررة بعقوبة أشد من الغرامة التي قضى بها الأمر الجنائي).
وذلك إذا كان المتهم قد أعلن عدم قبوله للأمر الجنائي طبقًا لنص المادة (327) من قانون الإجراءات وكان في ذهن المشرع حين وضع هذه النصوص أنه لما كان المقصود من إصدار الأوامر الجنائية تخفيف عبء العمل عن كاهل القضاء وتوفير الإجراءات التي يتطلبها رفع الدعوى في هذه الجرائم الكثيرة العدد مع ما هو ملحوظ فيها من ضآلتها فإن المتهم قد يسيء استعمال حقه في المعارضة في الأمر الصادر بأن يلجأ إلى التقرير بعدم قبوله الأمر دون صالح يذكر فيفوت غرض الشارع في وضع نظام الأوامر الجنائية إذ يترتب على ذلك أن تنقل المعارضة كل هذه الأوامر العديدة إلى الجلسة بعد أن يكون القاضي قد نظرها وبذا يتضاعف عمله كما تتكرر الإجراءات فيسوء الحال عما كان قد أريد من الأصل تفاديه.
وإذا تعدد من وجه الدعوى أو الدفاع الكيدي جاز الحكم عليهم بالتضامن في التعويضات وذلك عملاً بنص المادة (169) مدني التي تنص على أنه (إذا تعدد المسؤولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر).


11 - المحكمة المختصة بنظر دعوى التعويض [(35)]:
يرى البعض أن دعوى التعويض طبقًا لنص المادة (361) مرافعات لا ترفع إلا أمام محكمة الموضوع.
الأصلية - أي يجب رفعها أمام المحكمة المنظور أمامها الدعوى الكيدية أو الدعوى التي دفعت بدفاع كيدي (ولو كانت هي محكمة الاستئناف) لأن هذه المحكمة هي وحدها المختصة بالفصل في الحكم بمصاريف الدعوى التي تنظرها القضائية منها وغير القضائية - ونرى أن لهذا الرأي محل إذا كانت الدعوى الكيدية لا زالت منظورة أمام محكمة أول درجة فقط أما إذا كان قد فصل فيها أو منظورة أمام محكمة الدرجة الثانية فيجب رفع دعوى التعويض أمام المحكمة المختصة حسب قواعد الاختصاص العادي بوصفها دعوى مسؤولية - وقد قضى بأن طلب التعويض عن دعوى كيدية لا يصح توجيهه لأول مرة في الاستئناف لأنه ليس مبنيًا على ضرر حاصل من وقت الحكم المستأنف بل يرجع تاريخه إلى وقت الدعوى الابتدائية [(36)] - ونرى أنه حتى لو كان الإجراء الكيدي المتضرر منه هو الاستئناف ولا زالت الدعوى منظورة أمام محكمة الاستئناف فإن دعوى التعويض ترفع أيضًا للمحكمة المختصة العادية حتى لا تفوت على رافعها درجة من درجات التقاضي.
وبهذا نختتم هذه الإلمامة الموجزة عن الدعوى الكيدية.
والله ولي التوفيق،

مجلة المحاماة- العددالسادس -1954

صلاح الدين عبد الوهاب