الاثنين، 16 أبريل 2012

المعاملات الالكترونية







خدمات التوثيق الالكترونى
" تدعيم للثقة وتأمين للتعامل عبر الإنترنت "
دراسة مقارنة





دكتور
مصطفى أبو مندور موسى
كلية الحقوق جامعة حلوان





ندوة الجوانب القانونية للتعاملات الإلكترونية
مسقط
23/11/2008م



مقدمـة

إن أى إبداع بشرى يحمل فى طياته ، بطبيعة الحال ، الحداثة والجدة . وأنه ، أى الإبداع ، بقدر ما يساهم فى تنمية وتطوير المجتمع تقف فى سبيله العديد من العقبات وترتبط به بعض المخاطر . وغالبا ما يحتاج الأمر إلى فترة زمنية معينة ، تطول أو تقصر ، لاستقبال هذا الوافد الجديد وإلْفِه والاندماج معه . يصدق ذلك على أى جديد ، فما بالنا بهذا " الفوران التكنولوجى " الهائل فى مجال تقنية المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات الذى يشهد كل يوم تقدماً وتطوراً يعجز الإنسان العادى ، بقدراته المحدودة ، عن ملاحقته والوقوف على أسراره التى أصبحت تفوق كل تصور . وكأى جديد ، أيضا ، يحتاج التطور الحاصل فى هذا المجال إلى جهد وصبر ووقت ودراسة للوقوف على مردوده الإجابى( ) وتنمية ، وتعميم ، وتأمين الإستفادة منه فى كل مجالات الحياة . كما يحتاج ، بالمقابل ، إلى نفس الروح لاكتشاف مخاطره وإشكالاته( ) والتوصل إلى أنجع السبل ، إن لم يكن للقضاء عليها ، فالمحاصرتها والحد منها .

وتبنياً لهذه السياسة ، وتنفيذاً لهذا الفكر جاء مؤتمر الأعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون الذى نظمته كلية الشريعة والقانون جامعة الإمارات العربية المتحدة بالاشتراك مع غرفة تجارة وصناعة دبى فى الفترة من 10 ـ 12 مايو 2003 ، وتلاه فى العام التالى مباشرة مؤتمر التطورات المصرفية والائتمانية المعاصرة الذى نظمته كلية الحقوق جامعة حلوان( ) ، ثم أتى المؤتمر العام الأول التى نظمته رئاسة الإستخبارات العامة فى المملكة العربية السعودية فى الفترة من (3ـ6 ) نوفمبر 2007 تحت عنوان " تقنية المعلومات والأمن الوطنى " ليضع الهاجس الأمنى على المحك كأحد أهم الهواجس أو المخاطر التى يمكن أن ترتبط بالتطور الحادث فى مجال تقنية المعلومات ووسائل الاتصال . وفى نفس السياق أتى أحدث وأشمل المؤتمرات فى هذا الخصوص ونعنى به المؤتمر العام الأول الذى نظمه ، فى القاهرة فى الفترة من (2ـ4) يونيه 2008م ، الجمعية الدولية للاجرام السيبيرى بفرنسا( ) بعنوان الأمن " أمن التعامل والخصوصية فى ظل قانون الانترنت " . والحقيقة أننى عندما قرأت عنوان المؤتمرين الأخيرين تبادر إلى ذهنى ، بحكم الاهتمامات الأصلية للجهات القائمة على التنظيم ، والدلالة العرفية لمصطلح الأمن ، أن المقصود هو الأمن بمعناه الضيق المتمثل فى " منع وقوع الجريمة والحد منها " فغلب علىّ إحساس الإحجام عن إحساس المشاركة بحكم عدم تخصصى فى المجال الأمنى ، غير أن هذا الإحساس سرعان ما تبدد عندما لاحت فى الأفق فرصة هذا المؤتمر الأخير . ففور إطلاعى على الهدف الأول من أهدافه وجدت فى عجزه أن المقصود ، منه ، التوصل إلى كل ما يخدم " الأمن بمعناه الشامل ". ثم جاءت محاور ، المؤتمر بعد أهدافه ، لتؤكد هذا المعنى الواسع للأمن . وإذ لاحظنا خلو محاور المؤتمر من محور مباشر يتكلم عن دور تقنية المعلومات فى تأكيد وتعزيز الأمن القانونى فى مجال المعاملات ، إلا أننا نسجل ، بالمقابل ، أن هذا البعد لم يغب بالكلية عن ذهن القائمين على هذا المؤتمر.

فتحقيق الأمن القانونى للمعاملات( ) هو ، بكل تأكيد ، أحد أهم عوامل تحقيق الأمن الاقتصادى والاجتماعى من ناحية ، هذا فضلا عن أن أنظمة التشفير وإخفاء البيانات ، كأحد التطبيقات التقنية فى مجال الأمن الوطنى ، هى أهم وسيلة لتحقيق أمن المعاملات التى تتم بوسائل الاتصال الحديثة لاسيما عبر شبكة الانترنت ، فضلا عما تحققه هذه الأنظمة من المحافظة على الحياة الخاصة للمتعاملين من خلال المحافظة على سرية البيانات والمعلومات المتداولة بينهم عبر هذا العالم الافتراضى . ويمكن القول ، باستقراء المجهود الفقهى الضخم المقدم فى هذا الخصوص ، بأن جل مشاكل الإنترنت تتمحور حول مشكلتين أساسيتين هما أمن التعامل وكيفية الإثبات( ).

ولذا قررنا المشاركة فى هذا المؤتمر الأخير بورقة عمل( ) تتصل بهذا المحور الأخير تحت عنوان " خدمات التوثيق الالكترونى " تدعيم للثقة وتأمين للتعامل عبر الانترنت . وهو بحث يتجه ، كما هو واضح من عنوانه ، إلى تدعيم الثقة وتأمين التعامل عبر وسائل الاتصال الحديثة. فلا شك أن الوضع التقليدى للتعاقد هو وضع مفعم بالثقة. ليس فقط لأنه يعتمد بالأساس على المواجهة المادية بين الطرفين من ناحية ، وإنما أيضا لأنه يضع تحت بصرهم عناصر موضوعية للتقييم والاطمئنان والوثوق من ناحية ثانية . كل ذلك بعكس الحال فى عالم افتراضى( ) كعالم الانترنت ، عالم يخلو من المواجهة ومن العناصر الموضوعية التى نشهدها فى عالم الواقع( ) . فالمتعاقد مفترض ، والمتجر مفترض( ) ، والسلعة مفترضة ، وآساليب التعامل وكيفيته ودعامته تقوم على الافتراض . وهو بجانب ما تقدم عالم لايعترف بالحدود بين الدول( ) ، بل وهو مرشح لمجاوزة الحدود بين الكواكب ذاتها . ولذا فطبيعى أن توجد أزمة ثقة confiance ، وتقوم هواجس تخص تأمين المعاملات التى تتم عبر تلك الوسائل . وطبيعى ، أيضا ، أن ينعكس هذا الواقع الجديد على نوعية وطبيعة الحقوق والالتزمات والمسئوليات الناشئة فى رحابه( ) .

وهذه بكل تأكيد نقطة ضعف يجب العمل على تلافيها( ) . وفى هذا المجال تأتى خدمات التوثيق الالكترونى كأحد أهم الوسائل فى تحقيق هذه الغاية( ) . وتقوم الفكرة على وجود جهة محايدة تبث الثقة لدى المتعاملين وتؤّمن عملية الاتصال والتبادل بينهما بما تضعه تحت أيديهما من تقنيات التشفير La cryptologie التى تضمن تأمين ونسبة التوقيع إلى صاحبه من ناحية ، وعدم إحداث أى تعديل أو تغيير فى مضمون الرسائل المتبادلة ، أيا كان موضوعها ، منذ إنشائها وحتى وصولها إلى المرسل إليه وطوال فترة بقائها وحفظها من ناحية ثانية( ) . 

خطة الدراسة :
وسوف نحاول بحث نشاط مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى وذلك من خلال الحديث عن ماهية عمليات التوثيق الالكترونى . ويقتضى ذلك التعريف بهذه العمليات ومبررات اللجوء إليها من ناحية (الفصل الأول) ، ثم بيان نطاقها والمجال الذى تعمل فيه من ناحية ثانية (الفصل الثانى) ، وأخيرا الإلتزامات الواقعة على عاتق جهات التوثيق والمسئولية الناجمة عن الإخلال بها من ناحية ثالثة ( الفصل الثالث ) ، ثم نختتم الدراسة ببيان نتائج البحث والتوصيات التى توصلنا إليها . وبذلك تستقيم خطة البحث أمامنا على النحو التالى :
الفصل الأول : ماهية عمليات التوثيق الالكترونى .
المبحث الأول : تعريف عمليات التوثيق الالكترونى من الناحيتين الفنية والقانونية .
المبحث الثانى : فوائد عمليات التوثيق الالكترونى .
الفصل الثانى : نطاق عمليات التوثيق الالكترونى .
الفصل الثالث : التزامات مقدمى خدمات التوثيق والمسئولية الناجمة عن الاخلال بها.



الفصل الأول
ماهية عمليات التوثيق
الالكترونى
تمهيد وتقسيم :
تتسم المعاملات القانونية فى صورتها التقليدية بسمتين أساسيتين . تتمثل السمة الأولى فى وجود محرر مكتوب على وسيط مادي ليس من السهل إنكاره أو التغيير فى مضمونه ، فضلا عن إمكانية الرجوع إليه ، بحالته التى نشأ عليها ، فى أى وقت متى دعت الحاجة إلى ذلك ، وتتعلق السمة الثانية بوجود توقيع يزيَّل به المستند يفيد الإقرار بصحة مضمونه ونسبته إلى من وقع عليه( ) . هاتان السمتان ، اللتان لاوجود لهما بخصوص المحررات الإلكترونية ، أو بعبارة أدق لا وجود لهما بنفس الصورة المتعارف عليها فى التعاملات القانونية فى صورتها التقليدية ، تُثيران الكثير من الشكوك حول درجة الثقة والأمان المتوافران فى المستند الالكترونى . وهو ما يضعنا أمام المشكلة الأكبر التى تتصل بمدى قيمة المستند الالكترونى( ) من الناحية القانونية ، لاسيما فى مجال الاثبات .


ونظرا لأهمية التعاملات الالكترونية( ) وتشجيعاً لانتشارها وبث الثقة فيها ، وإلى أن يصل التطور الفنى والتكنولوجى إلى سد هذه الفجوة بشكل تام( ) ، فإن الآلية القانونية التى تواتر الحديث عنها فى الفقه القانونى المقارن( ) لتأمين التعاملات عبر الانترنت هى " عمليات التوثيق الالكترونى ". وهى عمليات تقوم بها فى الوقت الحالى جهات متخصصة prestataires de service de certification مهمتها تأمين سلامة المعاملات التى تتم عبر وسيط الكترونى من حيث مضمونها ودقة نسبتها إلى من صدرت منه( ) وحفظها( ) ، وإصدار شهادة الكترونية بذلك يمكن الاعتماد عليها فى إنجاز هذه النوعية من المعاملات( ) . 

وسوف نحاول فى هذا المجال بيان المقصود بالتوثيق فى المجال الالكترونى من جهة ، وفوائدة والموضوع الذى ينصب عليه من جهة أخرى وذلك فى مبحثين متتالين على التوالى .

المبحث الأول
المقصود بعمليات التوثيق
الالكترونى

التوثيق بمعناه العام :
التوثيق certification ، فى معناه العام ، يعنى التصديق والتأكيد ، ومجاله الطبيعى هو التصرفات القانونية فى شكلها التقليدى ، أى المستندات الورقية ، وذلك بأن يضع موظف عام مختص تأكيده وتصديقه على صحة ما ورد فى المستند المقدم للتوثيق وصحة نسبته إلى من وقع عليه( ). أما أن نتحدث عن التوثيق فى المجال الالكترونى فهذا ـ بحق ـ أمر يكتنفه شيئ من الغرابة( ) . وهو ، فى هذا المجال الأخير ، بكل تأكيد ، مصطلح حديث جداً ويثير الكثير من التساؤلات حول مضمونه ، واجراءاته ، والجهات القائمة به. 

هذه الكلمة ـ المستمدة فى اللغة الفرنسية من كلمة certificat ـ موجودة منذ فترة طويلة من الزمن ، ولكنها اكتسبت زخماً جديداً مع عهد الانفتاح الاقتصادى . وهذه الكلمة ، كأصلها ، مصدرها الكلمة اللاتينية certus ومعناها فى اللغة الفرنسية " قرر decide ، صمم résolu ، حدد fixé, déterminé ، دقق précis ، عين certain، وافق convenu ، أكد sûr ، عزم ، قطع arrêté ، أمّن cecuritè"( ) . وفى معناه القانونى فقد أعطت له القواميس اللغوية العديد من المعانى تدور بين التأمين( ) والاشهاد والترخيص وكذا الضمان( ). 

وقد قدم الفقه الفرنسى للتوثيق تعريفا أكثر تحديدا ، يقترب من الأصول اللاتينية للكلمة ، هو التعريف التالى " التوثيق إجراء بمقتضاه يقدم طرف ثالث ضمانا بأن (مستند) أو منتج أو برنامج معين أو خدمة أو مؤسسة أو هيئة معينة يتوافق مع ضوابط ومعايير واشتراطات خاصة"( ) .
ويمكن القول ، فى ضوء هذا التعريف الواسع ، أن التوثيق هو وسيلة أو آداة تقدم لنا مقياساً موضوعياً على جودة سلعة أو برنامج أو خدمة معينة ، وذلك من خلال تبنى معايير أو ضوابط معينة يجب توافرها فى هذه السلعة أو تلك الخدمة أو ذاك البرنامج . فالتوثيق هو، باختصار شديد ، بمثابة " ميزان " بيد المتعامل يزن به درجة جودة ما هو معروض عليه من منتجات وخدمات( ) ، ويتمكن ، بالتالى ، من المفاضلة بينها ، ومن ثم اختيار أفضلها. وطبيعى ، فى ضوء عملية التوثيق بهذا المعنى ، أن تكتسب فكرة الجودة ، أهمية خاصة لدى القائمين على المشروعات التجارية والصناعية والخدمية( ) طالما أنه كلما ارتفعت درجة الجودة إرتفع ، بالتالى ، رقم المبيعات أو التسويق . وفى ضوء ذلك فإن السباق الحقيقى سيصبح سباقاً حول معايير الوصول الى أعلى درجات الجودة .

وإذا كان التوثيق ، بهذا المعنى العام ، يعنى الإقرار بمطابقة منتج أو سلعه أو خدمة لضوابط ومعايير واشتراطات معينه ، فهو يفترض ، بداية ، وجود معايير وضوابط واشتراطات للجودة يجب أن تستوفيها السلع والخدمات المطروحة . وبعد ذلك ، وفى خطوة تالية ، يأتى التوثيق كآلية لتجسيد هذه المطابقة . فهو ، إذن ، الخطوة اللاحقة لهذه الاجراءات . ففى خطوة أولى تنشأ الضوابط والمعايير Les normes ، ثم يأتى التوثيق ، فى الخطوة التالية ، ليؤكد استيفاء السلعة أو الخدمة المقدمة لهذه المعايير والضوابط وذلك من خلال اعتماد يقدم من جهة محايدة. وتمثل علامات التوثيق ، فى ذاتها ، الشكل الذى يُعلن فيه التوثيق. 

تطبيقات التوثيق بمعناه العام :
مادام أن التوثيق ، كما قدمنا ، هو آلية لتعيين واعتماد درجة جودة منتج أو خدمة معينة ، فهو ـ إذن ـ عملية مرنة توجد لها تطبيقات ومجالات متعددة. ولعل التطبيق الأول الذى يقفز فوراً إلى الأذهان هو توثيق الأوراق والمحررات القانونية فى دوائر التوثيق المعروفة( ) ، فتلك خدمة تقدمها الجهات المختصة فى الدولة تبعث ، بمقتضاها ، فى نفوس المتعاملين الثقة والاطمئنان فى صحة ما ورد فى هذه الوراق وتلك المحررات وفى دقة نسبتها إلى صاحب التوقيع عليها . 

ولعل أوسع وأشهر المجالات التى انتشر فيها التوثيق هو المجال المحاسبى والمالى ، ويقصد به التصديق على حسابات معينة طبقاً للمعايير والطرق المحسابية المعترف بها( ) . ويمكن أن يطال التوثيق ، من ناحية ثالثة ، البعد الفنى لمنتج أو خدمة معينة ، أى أن ينصب على جودة الموصفات والسمات الفنية الدقيقة الخاصة بهذا المنتج أو تلك الخدمة . 

ولكن هل يمكن أن يكون محلا للتوثيق " حقائق أو أوضاع قانونية معينة " ، بعبارة أخرى هل يمكن أن يُعمل بالتوثيق فى مجال " التأكيد بمطابقة وضع معين لضوابط ومعايير واشتراطات قانونية خاصة " ؟ الواقع أن التوثيق بمعنى " ضمان أو تأكيد " مطابقة وضع معين للقانون هو أمر غريب على الأدبيات القانونية. فرجل القانون ، أيا كانت قيمته العلمية ، لايملك سوى اصدار آراء وليس " ضمان أو تأكيد لحقائق معينة". ولا توجد جهة ، أيا كانت إمكاناتها ، تستطيع أن توثق رأياً على أنه الرأى المطابق للقانون بشكل مطلق ، ذلك أن علم القانون ليس علما للرياضيات أو الفيزياء ، إذ يوجد دائما جانبا من عدم اليقين incertitude واعتبارات ملاءمة فى الأراء المقدمة . ولذا فإن الحديث عن إجراء التوثيق فى المجال القانونى لابد وأن يرتبط به بعض الشكوك من قبل رجال القانون واتحادات القانونيين( ) . 

المقصود بالتوثيق الالكترونى :
إذا كان التوثيق بمعناه العام يعنى ، كما قدمنا ، ضمان المطابقة إلى ضوابط ومعايير وإشتراطات معينة ، فإن التوثيق فى المجال الالكترونى وتكنولوجيا المعلومات يعنى ، بشكل أخص ، ضمان " سلامة وتأمين cécurité " التعامل عبر الانترنت( ) ، سواء من حيث أطرافه ، ومضمونه ، ومحله ، وتاريخه( ) . وبعبارة أخرى يعنى التوثيق الالكترونى خلق " بيئة الكترونية آمنة " للتعامل عبر الانترنت . فقد أشرنا ، غير مرة ، إلى أن أم المشاكل فى التعامل الالكترونى تكمن فى أنه يتم بين طرفين لا يعرف كلا منهما الآخر ، وعبر وسيط مفتوح وغير آمن ، وعن طريق التجول فى متجر افتراضى قوامه الأشكال والصور ، وبطريقة ينعدم فيها أى دليل مادى على حقيقة ما تم( ) . لذا فقد باتت الحاجة ملحة إلى آلية تبعث الثقة والأمان ، نوعا ما ، فى هذا الصنف المستحدث من التعامل . وقد تحقق ذلك تشريعيا( )بالفعل من خلال آلية التوثيق أو التصديق ، وذلك من خلال إيجاد وسيلة تؤدى إلى تحقيق مجموعة الأهداف التالية( ): 
1ـ تحديد هوية أطراف المعاملة identification des parties سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أو اعتباريين ، وتحديد أهليتهم للتعامل( ).
2ـ ضمان سلامة محتوى البيانات المتداولة عبر الشبكة l'intégrité des contenus des informations ، وهو ما يسمح بالتحقق من أن مضمون الرسالة ( الإيجاب أو القبول ) لم يتغير في الفترة مابين إرسال الرسالة وتسلمها بل واثناء فترة حفظها كدليل اثبات عند النزاع .
3ـ ضمان السرية la confidentialité الكاملة للبيانات المتداولة بين البائع والمشترى .
4ـ ضمان عدم انكار la non-répudiation رسالة البيانات الصادرة من قبل أي من الطرفين .
آلية التوثيق : وباستعراض التشريعات المختلفة( ) التى تدخلت صراحة فى هذا المجال نجد أن هذه الآلية تتجسد فى وجود شخص محايد ذا إمكانات فنية وتكنولوجية خاصة يسمى أحياناً بالغير محل الثقة Le tiers de confiaince( ) ، وأحياناً أخرى بمقدمى خدمات التوثيق Le prestataires de services de certifications ( ) ، أو " مزودى خدمات المصادقة الالكترونية " ( ) أو " مراقبى خدمات التوثيق"( ) ، أو جهات التوثيق الالكترونى ( ) أو جهات إصدار شهادات التوثيق( )وهى تسمية ، فى كل صيغها ، معبرة بصدق عن حقيقة الدور المنوط بهذا الشخص( ) والذى يتمثل فى "تأكيد وتوثيق المعاملة " ، وبالتالى بث الثقة لدى مستعملى الشبكات المفتوحة من خلال اتباع مجموعة من الوسائل والاجراءات الفنية اللازمة لتأمين مايجرى بينهم من تعاملات( ) ، أو صونها من العبث طوال فترة حفظها ، وتقديم شهادة الكترونية معتمدة تثبت كل ذلك وتؤمنه وتبعث الثقة فيه( ). 

والآلية الأساسية التى تتبعها جهات التوثيق الالكترونى فى عملها تتمثل ، حتى الآن ، فى آلية التشفير La cryptographie ( ). وقد ظهر ، فى هذا الخصوص ، نوعان من التشفير( ) يسمى الأول بالتشفير المتماثل La cryptographie symétrique والثانى بالتشفير غير المتماثل La cryptographie asymétrique( ) . وسوف نحاول فيما يلى إعطاء نبذة مختصرة عن كل منهما . 

أولا: التشفير المتماثل ( المفتاح السرى) symétrique La cryptographie 
وفيه يتم الاعتماد على مفتاح سرى واحد بمقتضاه يتم تشفير المعاملة وكذا فكها( ). فمرسل الرسالة يكتب رسالته ويوقع عليها ويقوم بتشفيرها وإرسالها إلى المرسل إليه مع ذات المفتاح الذى إستخدمه فى التشفير لأنه هو الذى سيستخدمه المستقبل فى عملية فك التشفير( ) . فمرسل الرسالة ومستقبلها يستخدمان نفس المفتاح مع إختلاف وظيفتة بالنسبة لكل منهما( ) . فالأول يستخدمه فى التشفير والثانى لفك هذا التشفير( ) . وإذا كانت هذه الطريقة تتميز بالبساطة إلا أنه يعيبها ما يلى :
(1) أنها تفترض سبق معرفة أطراف المعاملة لبعضهم البعض( ) وهو ما يتنافى مع الواقع فى كثير من الأحيان ، بل ومع الطبيعة العالمية والمفتوحة لشبكة الانترنت ، تلك الشبكة التى لا تظهر فائدتها الحقيقة إلا فى التعامل بين أطراف تفصل بينهما الحدود والمسافات ، وقد لايعرف بعضهما بعضا . 
2ـ أنه لا توجد وسيلة آمنة لتبادل المفتاح الوحيد المستخدم بين المرسل والمرسل إليه( ) ، لأنه لو كانت هذه الوسيلة موجودة ، فعلا ، فلماذا لم تُستخدم فى التعاقد منذ البداية!!( ) ولا شك أن ذلك قد يغرى الغير بالتسلل واقتحام البيانات التى تم إرسالها( ) .
3ـ أنها تقنية تفترض وجود مفتاح لكل معاملة بما يعنى تعدد المفاتيح بتعدد المعاملات وتعدد المرسل اليهم( ) . وفضلا عما يؤدى إليه ذلك من تعقيد وتكلفة عالية ، فإنه يقضى على عامل السرعة التى تتميز به المعاملات التجارية عامة وتلك التى تتم عن طريق وسائل التقنية الحديثة بصفة خاصة.

ثانيا التشفير غير المتماثل: symétrique La cryptographie 
ولكثرة عيوب التشفير المتماثل كان لابد من البحث عن بديل أخر يحل محله ويؤدى الغاية المرجوة منه فتوصل العلم الى ما يسمى بتقنية التشفير غير المتماثل( ) ، وهى تقنية تقوم على وجود مفتاحين : الأول ويسمى بالمفتاح الخاص (clè privé) ، وبه يوقع الشخص على الرسالة الالكترونية التى تحمل إيجابه أو قبوله للطرف الآخر ويتم الاحتفاظ به على بطاقة ذكية مؤمنة( ) ، والثانى يسمى بالمفتاح العام (clé publique) ، وبه يستطيع المستقبل فك شفرة الرسالة والتأكد من صحة التوقيع التى تحمله ونسبته إلى المرسل وعدم وجود أى تلاعب أو تغيير فى مضمون الرسالة منذ إنشائها وحتى وصولها إلى المرسل إليه( ) . وعليه فإذا أراد(أ) إرسال عرض أو إيجاب بالتعاقد إلى (ب) ما عليه إلا أن يوقع الرسالة بمفتاحه الخاص( ) الذى يحتفظ به سرا مكنونا لايطلع عليه سواه ويرسلها إلى (ب) وبصحبتها مفتاحه العام للتحقق من نسبتها الى من صدرت عنه( ) . وعندما يتحقق المرسل إليه من أصل الرسالة ونسبتها الى الموقع بالمفتاح العام فانه يكون قد قطع نصف الطريق وبقى امامه النصف الخر المتمثل فى التحقق من أن الرسالة تحتفظ بصورتها الأولى التى كُتبت بها قبل التشفير وأنه لم يدخل عليها اى تعديل او تحريف أثناء رحلتها عبر الشبكة( ). 
وهذا الأسلوب من آساليب التشفير وإن كان يضمن للمستقبل نسبة الرسالة إلى المرسل فضلا عن سلامتها من الناحية الموضوعية ، إلا أنه لا يحافظ على سريتها إذ يبق بإمكان أى شخص استخدام المفتاح العام فى فك تشفير الرسالة والاطلاع على مضمونها( ) وإن بقى عاجزاً عن إدخال أى تعديل عليها ، بمعنى أن التشفير بهذه الطريقة يضمن فقط سلامة الرسالة من الناحية الموضوعية وصدق نسبتها الى من صدرت عنه ولكنه لايضمن سريتها. ولذا فإن أسلوب التشفير الذى يؤمن سرية الرسالة ، بجانب سلامتها ونسبتها إلى صاحبها هو أن يقوم المرسل بتشفير الرسالة بالمفتاح العام للمرسل إليه الذى سيستخدم مفتاحه الخاص ، عندما تصله الرسالة ، لفك شفرتها . فمالك المفتاح الخاص هو ، وحده دون غيره ، الذى يستطيع فك شيفرة الرسائل التى شفرها المفتاح العام( ).
وهاتان المفتاحان عبارة عن متتالية رقمية une séquence de chiffres متولدة ، فى نفس الوقت ، من عمليات حسابية معقدةalgorithme mathématique ، أو من معطيات بيومترية( ) donnès biométriques ومرتبطين ببعضها البعض ارتباطاً فنياً على درجة عالية من الدقة ، ومع ذلك فإن معرفة تركيبية أحد المفتاحين لا تتيح معرفة أو فك تركيبة المفتاح الأخر( ) . ويصف جانب من الفقه( )المفتاح الخاص بأنه بمثابة تحقيق شخصية رقمى( ) Identification numérique يمكن إدراجه أو حمله على أى وسيط ، كبرنامج( ) logiciel أو كارت ممغنط( ) carte à puce أو مفتاح الكترونى( ) clé électronique
الشهادة الالكترونية ودورها فى التعامل الالكترونى : 
وإذا كانت آلية التشفير الغير متماثل تقدم للمرسل إليه يقينا بأن الرسالة التى وصلته موقعة من المرسل ، أى من صاحب المفتاح الخاص الذى اشتق منه المفتاح العام الذى استُخدم فى فك التشفير( ) ، وبالتالى فهى منسوبة إليه ، إلا أنها لاتحدد " ذاتية " هذا المرسل ولا تعين شخصيته على وجه الدقة . وبعبارة أوضح فإن آلية التشفير غير المتماثل وإن كانت تقيم علاقة بين شخص (افتراضى) ومفتاحه العام ، إلا أنه يبقى التساؤل قائما عن ذاتية هذا الشخص وهويته . لذلك كان لابد من البحث عن وسيلة أخرى تسد هذا النقص وتكون بمثابة التكملة الضرورية لنظام التشفير غير المتماثل. وقد تجسدت هذه الوسيلة فيما يسمى بـ " شهادة التوثيق الالكترونى"( ). وهى شهادة معتمدة certificat qualifié تصدر عن أحد مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى المرخص لها من قبل الجهات الرسمية فى الدولة لتربط المفتاح العام الذى استُخدم فى فك التشفير بشخص بعينه( ) ، وبالتالى يتحول المرسل من شخص افتراضى إلى شخص محدد الهوية( ). فضلا عن اشتمالها على تأكيد بأن التوقيع المعنى قد استوفى كافة الشروط والضوابط المطلوبة فيه باعتباره دليل إثبات يُعول عليه( ) وبهذه التكملة الضرورية توفر آلية التشفير غير المتماثل الأمان الكامل للرسائل المتبادلة ليس فقط من حيث مضمونها ، وإنما أيضا من حيث هوية أطرافها . فالشهادة الالكترونية المعتمدة تؤدى ذات الدور الذى يؤديه جواز السفر الرسمى الذى تصدره الدولة( )أو البطاقة الشخصية pièce d'identité التى يحملها المواطن( ) . فكما أن جواز السفر أو البطاقة الشخصية وثيقة رسمية تقيم صلة بين الصورة الملصقة فيه وبين شخص صاحب التوقيع الخطى أو اليدوي الموضوع عليه ، فإن الشهادة المعتمدة تقيم صلة رسمية بين هوية الشخص المرسل ومفتاحه العام( ) . ولذا فقد نصت مختلف التشريعات على وجوب تضمين الشهادة المعتمدة بيانات معينة تساعد على تحقيق هذا الغرض كاسم الحامل ، أي صاحب الشهادة ، ومفتاحه العام ، واسم هيئة التوثيق ، وفترة صلاحية الشهادة ، والحد الأقصى لقيمة التعاملات التى تستخدم الشهادة فى إبرامها...الخ( ) .

وتتعدد شهادات التوثيق بحسب استخداماتها والغرض منها ، فالى جانب شهادة توثيق التوقيع الرقمى توجد شهادات أخرى مثل شهادة توثيق تاريخ الاصدار Digital time stamp( ) ، وأيضا شهادة الاذن( ) Authorizing Certificate ، وشهادة البيان( ) Attesting Certificate 

فالشهادة الالكترونية هى ، إذن ، حقيقة معلوماتية un objet informatique تسمح بما لايدع مجالا لأى شك ، بربط هوية كائن معين ( شخص أو هيئة ) بمجموعة معينة من السمات المميزة له( ).

المبحث الثانى
فوائد التوثيق الالكترونى
وأبعادة القانونية

أولا : فوائد التوثيق الالكترونى :
نتكلم عن فوائد التوثيق الالكترونى بشكل بشكل عام( ) ، والتوثيق الواقع على المحررات القانونية بشكل خاص .
(1) فوائد التوثيق الالكترونى بشكل عام : 
من جماع ما تقدم يمكن القول بأن الفائدة الكبرى والرئيسية لعملية التوثيق الالكترونى بشكل عام تتمثل فى " تأكيد وتثبيت الثقة فى التعامل عبر الشبكة " . وبجانب هذه الميزة الأساسية يقدم التوثيق الالكترونى ميزة أخرى سواء بالنسبة للمستهلكين أو بالنسبة للمشروعات ذاتها . وسوف نحاول فيما يلى اعطاء لمحة مختصرة عن كل ميزة من هذه الميزات.

(أ) التوثيق الالكترونى تدعيم للثقة:
السمة المميزة لشبكة الانترنت تتمثل فى كونها شبكة عالمية مفتوحة( ) réseau ouvert . ومعروف أن الشبكات المفتوحة لا توجد فيها سلطة مركزية( ) تباشر أى رقابة على المعاملات التى تتم من خلالها . ولاشك أن صفة اللامركزية décentralisation هذه ، التى كانت وما زالت نقطة الانطلاق الأساسية لشبكة الانترنت( ) ، يمكن أن يكون لها آثار عكسية فى مجال تطوير التجارة الالكترونية . وفى الحقيقة فإن غياب إدارة مركزية تؤدى دور المراقب لما يتم على الشبكة من مبادلات ومعاملات من حيث سلامتها ودرجة دقتها ، يقود ، حتما ، إلى انعدام أو نقص فى الثقة لدى العديد من المتدخلين . 
والواقع أن مشكلة انعدام او نقص الثقة( ) كانت وما زالت أم المشاكل فى التعامل التجارى حتى فى صورته التقليدية ، غير أن زيادة حجم وحركة المعاملات عبر الشبكة والأسلوب الذى تتم به قد عمّق الإحساس بحجم هذه المشكلة . فالشكوك فى التعامل الالكترونى تطالُ ليس فقط طرفى العملية ، وإنما أيضا حقيقة ومضمون التزام كل منهما ومدى قدرته على الوفاء به ، فضلا عن جودة المنتج أو الخدمة المؤداة . وهنا يبرز التوثيق ، مرة أخرى ، كأحد الأدوات الأساسية لتيسير إبرام الصفقات عبر نظام مفتوح كشبكة الانترنت ، طالما أنه سيساعد على تأكيد وتدعيم الثقة فى هذا الشكل من أشكال التعامل( )،( ).

والخلاصة أن جهات التوثيق الالكترونى تقوم " بدور الوسيط المؤتمن بين المتعاملين فى التعاملات والتراسلات الالكترونية "( ) بما تقوم به من توثيق لهذه التعاملات والتصديق على توقيعات أصحاب الشأن عليها ، وتصدر ، بذلك كله ، شهادات الكترونية معتمدة تفيد ، ليس فقط صحة التوقيعات الالكترونية ونسبتها الى اصحابها ، وانما كذلك سلامة البيانات والمعلومات التى يتضمنها المستند الالكترونى( ) .

(ب) فوائد التوثيق بالنسبة للمستهلكين :
التجارة عبر الانترنت تفتح للمستهلك أفاقا هامة للغاية( ) . فهى تقدم له أبعادا وتصورات مستقبلية جديدة سواء فيما يتعلق باسلوب التعاقد أو بمحله من السلع والخدمات . فلا شك أن اختيارات المستهلك تتسع كثيرا كلما زاد عدد التجار وكلما زادت الفرص المعروضة( ) . غير أنه ، ومن جانب أخر ، تعطى الانترنت دائما إحساسا بأننا فى عالم مجهول يصعب ضبطه أو الرقابة عليه. ولذا فإن التوثيق يقدم للمستهلك أفضل تأمين سواء فيما يتعلق بجودة المنتجات والخدمات المقدمة من ناحية ، أو فيما يتعلق بشخصية المتعاقد وسلامة المعاملة من ناحية ثانية. 
وبجانب التامين يؤدى التوثيق إلى المساعدة فى توجية وتنوير إدراك المستهلك بخصوص الصفقات التى تبرم عبر الانترنت ، وذلك من خلال توفير إعلام حقيقى صادر عن جهة محايدة هى جهة التوثيق وهو ما يؤدى ، فى النهاية ، الى تبديد كل عوامل الخوف والقلق لدى المتعامل ، ويدفعه بالتبعية الى الاقدام على استخدام هذه الوسيلة الحديثة فى تعاملاته( ) .

(ج) فوائد التوثيق بالنسبة للمشروعات ذاتها :
إذا كانت مزايا التوثيق بالنسبة للمستهلكين يمكن حصرها فى تحقيق أفضل شراء ، فإن ميزته الأساسية بالنسبة للمشروعات تتمثل فى تحقيق أفضل بيع. ولا تقتصر فوائد التوثيق بالنسبة للمشروعات على هذا الأمر ، بل إن التوثيق يفتح للمشروعات أفاقا جديدة ، فضلا عما ما يشيعة من ثقة بين المستهلكين ، فإنه يهيء للمشروعات ولكافة قطاعات الأنشطة الأكثر حيوية فى المجتمع شكلا جديدا من أشكال إعادة التقييم والتنظيم une forme d’autoréglementation وذلك من خلال إعادة النظر فى الضوابط والمعايير المتبعة فى العمل من آن لآخر حتى يكتب له البقاء فى دائرة المنافسة . فالتوثيق هو ، إذن ، وسيلة للمراجعة الدورية بما يتضمنه من معايير ومواصفات قياسية تحرص الشركات المتنافسة على عدم النزول عنها( ) . 

(2) دور التوثيق فى مجال المحررات الالكترونية :
نقدم ، بداية ، أن مهنة الموثق الإلكترونى تتشابه كثيرا فى بعض وظائفها مع مهنة الموثق المعروفة فى فرنسا ومصر والعديد من الدول ، على اعتبار أن كلا منهما يعد شاهدا محايدا ومستقلا عن العقد المبرم بين الأطراف( ) ، يلجأ إليه هؤلاء بغرض تأمين معاملاتهم ومنحها الثقة الواجبة حتى تكون صالحة لاثبات ما تتضمنه من تصرفات قانونية. ولهذا السبب يُطلق عليهم " وكلاء الاثبات "( ) agents de prevue . 

هذا وإذا كان كل ماللتوثيق من دور بالنسبة للكتابة المثبتة على دعامة ورقية يتمثل فى مجرد تقوية حجيتها وقيمتها القانونية ليس إلا ، فإن التوثيق بالنسبة للمحررات الإلكترونية هو الذى يُنشئ هذه الحجية من الأساس( ) . ولذا فيمكن القول بأن التوثيق هو " سر وجود المحرر الالكترونى من الناحية القانونية " أو هو ، بالأحرى ، " مكون أساسى من مكونات القيمة القانونية للكتابة الالكترونية " . فبدون تقنيات التوثيق الالكترونى تفقد الكتابة الالكترونية أى دور قانونى لها( ) ، بل يمكن القول ، دون مغالاة ، أن خدمات التوثيق الالكترونى هى الموتور المحرك والعجلة الدافعة لقطار التجارة الالكترونية( ) . ويمكن أن نقدم العديد من الأدلة التشريعية والفقهية على صدق هذه الحقيقة :
ـ فالممتتبع لواقع التشريعات التى اهتمت بتنظيم المعاملات الالكترونية ليكتشف على الفور بأنها لم تُسلم للتوقيع الالكترونى والكتابة الالكترونية بأية قيمة قانونية إلا بعد استيفائها للعديد من الاشتراطات التى أُنيط تحقيقها بتدخل شخص محايد هو الموثق الالكترونى . ويمكن استلهام ذلك ، بوضوح ، فى التشريع الفرنسى ، من نص المادتين 1316ـ1 ، 1316ـ 4 من القانون المدنى . 

ووجه الاستدلال أن المادة الأولى ربطت مساواة الكتابة الالكترونية بالكتابة الورقية من حيث الحجية بإمكانية تحديد شخص من صدرت عنه من ناحية وبقيامها وحفظها فى ظروف من شأنها ضمان سلامتها من ناحية أخرى( ) . كما ربطت المادة الثانية (1316ـ4) حجية التوقيع الالكترونى فى الاثبات بمدى قدرته على تحديد هوية الموقع من ناحية ، وضمان صلته بالمحرر الذى وقع عليه من ناحية ثانية ، وأقامت من هذين الأمرين قرينة قانونية بسيطة على صحة هذا التوقيع( ) ، طالما أنه تم وفقا للشروط التى يحددها مرسوم يصدر من مجلس الدولة لتطبيق هذا النص( ) .
ولم يتأخر المشرع كثيرا فقد صدر ، تلبية لهذ الاحالة ، المرسوم رقم 272ـ2001 بتاريخ 30 مارس 2001 محدداً فى مادته الأولى الفقرة الثانية أن التوقيع الالكترونى المؤمن: Signature électronique sécurisée هو ذلك الذى يستوفى ، بجانب الضوابط المنصوص عليها فى الفقرة الأولى من المادة1316ـ4 من التقنين المدنى ، الشروط التالية:
أ ـ أن يكون خاصا بصاحبه .
ب ـ ان تكون وسائل انشاؤه تحت سيطرة الموقع وحده .
ج ـ أن يرتبط بالتصرف الذى وضع عليه برابطة تقود إلى اكتشاف أى تعديل لاحق يدخل عليه( ) . 

وطبيعى ألا يتحقق للتوقيع الالكترونى هذه الدرجة من الأمان الا اذا كانت اداة انشاؤه Le dispositif de création de signature électronique لا يمكن اختراقها ، ولن يتحقق ذلك ، فى نظر المشرع الفرنسى ، الا اذا استوفت تلك الأداة الضوابط المنصوص عليها فى الفقرة الأولى من المادة الثالثة من نفس المرسوم المشار اليه ، وتم توثيقها طبقا للمقتضيات التى تضمنتها الفقرة الثانية من نفس المادة . وبالرجوع الى الفقرة الأولى نجدها تشترط الضمان الكامل ، بكافة الوسائل والاجراءات الفنية الممكنة ، للضوابط الأربعة التالية فى الأداة التى تُستخدم فى وضع التوقيع الالكترونى :
1ـ إنعدام أية إمكانية لصدور هذه الأداة لأكثر من مرة واحدة مع الحفاظ على سريتها الكاملة ، بمعنى عدم امكانية تكرار أداة التوقيع او احد مكوناتها ، وهو ما يعنى بعبارة مختصرة عدم تصور وجودها الا مع من صدرت لصالحه .
2ـ إنعدام أية إمكانية للوصول إليها عن طريق الاستنتاج أو الاستنساخ أو التخمين مهما تعددت المحاولات وتكررت ، فضلا عن حمايتها ضد أى تزوير او تزييف.
3ـ ضمان سيطرة الموقع ، وحده ، على أداة إنشاء التوقيع وعدم وجود أية فرصة لاستعمالها من قبل الغير . 
4ـ ألا تؤدى هذه الأداة ، عند استعمالها أو حتى بعد ذلك ، الى احداث أى تعديل او تغيير فى مضمون التصرف محل التوقيع من ناحية ، وألا تحول ، بأية طريقة ، بين الموقع وبين معرفته التامة لهذا المضمون قبل التوقيع عليه من ناحية ثانية.

لايكفى كل ما سبق ، لكى يُعد التوقيع الالكترونى " مؤمناً " ، بل تطلبت الفقرة الثانية من نفس المادة وجوب أن تكون الضمانات المنصوص عليها فى الفقرة الأولى ضمانات " موثقة doit être certifié " . سواء من قبل أجهزة تأمين أنظمة المعلومات التابعة لرئيس الوزراء ، أو من قبل مؤسسة توثيق معنية بهذا الأمر فى أى دولة من الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى( ) .
وقد جرى مجرى القانون الفرنسى ، من التشريعات الأجنبية1999 الأجنبية : القانون السويسرى( ) والبلجيكى والكندى ، وياتى موقف التشريعات الأوروبية ، فى هذا الخصوص ، اقتباسا واستجابة للتوجيه الأوروبى الصادر فى 13 ديسمبر عام 1999م ( ) ومن التشريعات العربية القانون الاردنى( ) ، والتونسى( ) وكذا تشريع إمارة دبى( )والبحرين( ) ، وقانون سلطنة عمان( ). والحقيقة أن المقتضيات التى تطلبتها كل التشريعات السابقة وغيرها لايمكن أن تتحقق ، بصريح النص ، إلا من خلال اتباع تقنيات التوثيق الالكترونى . 

إذن فالتوثيق الالكترونى أصبح الأن حقيقة لايستقيم معنى المحرر الالكترونى( ) إلا بها . بل يمكن القول بأنه أصبح التزاما على عاتق من يختار طريق التعامل الالكترونى أن يلجأ الى مقدمى خدمات التوثيق. وقد كرس المشرع المصرى هذا الالتزام بنصه فى المادة 15 من قانون التوقيع الالكترونى الصادر عام 2004 على أن الكتابة الالكترونية لاتتمتع بذات الحجية المقررة للمحررات الورقية (رسمية كانت أم عرفية) إلا إذا استوفت الشروط المنصوص عليها فى هذا القانون والضوابط الفنية والتقنية التى تحددها اللائحة التنفيذية الصادرة لتنفيذه . وهو ما يعنى بالأخير وجوب اللجوء إلى خدمات التوثيق الالكترونى . وهو نفس المعنى الذى قررته التشريعات العربية الأخرى فى هذا الخصوص( ) . 

ثانيا : الأبعاد القانونية للتوثيق :
يمكن تصنيف الأمور ذات الطبيعة القانونية للتوثيق فى أربع طوائف تتصل الأولى بالجهة طالبة التوثيق ، وتتعلق الثانية باجراءات أمن الموقع ، وتخص الثالثة الأموال والخدمات المقدمة ، وتتضمن الأخيرة العوامل المؤثرة مباشرة فى الصفقات عبر الشبكة . 

(1) الجهة طالبة التوثيق :
يشمل التوثيق أول ما يشمل الجهة طالبة التوثيق من حيث وجودها الواقعى ، وأهليتها ، وأخيرا القانون الواجب التطبيق على أنشطتها .
(أ) وجود الجهة طالبة التوثيق :
أول ما يضمنه الموثق الالكترونى هوية التاجر أو المشروع أو الشركة الفعلية( ) التى تختفى خلف الحقيقة الافتراضية للموقع réalité virtuelle d'une site web. وبذلك يتاح لكل متعامل أن يعرف على وجه الدقة مع من يتعامل( ) . 

(ب) الأهلية القانونية للمتعاملين عبر الانترنت (طرفى المعاملة) :
نظرا لأن التعامل يتم فى عالم مفتوح لايعرف فيه المتعاملون بعضهم البعض ، فإن تقدير مسألة تعيين الشخصية وتحديد الاهلية اللازمة لصحة التعاقد أمر يكتنفه الكثير من الغموض . ومن هنا يأتى دور التوثيق الالكترونى كوسيلة فعالة فى هذا الخصوص ليضمن لكل طرف تمتع الطرف الأخر بالأهلية اللازمة لصحة التعامل( ) ، وهو ما يزيده اطمئنانا ويؤكد له صحة ما يبرمه من تصرفات قانونية مع قرينه فى هذا الخصوص. 

ونظرا لأن التعامل يتم فى الغالب بين أشخاص اعتبارية أو معنوية ، فينبغى أن نعطى للأهلية معنى أوسع من معناها التقليدى لتشمل القيود القانونية الواردة على سلطة المشروع فى التعامل( ) . ويمكن أن يمتد نشاط جهات التوثيق الى جوانب أخرى مهمة تساهم فى تأمين التعامل وتعزيز الثقة بين الطرفين كتلك المتصلة بحالتهما المهنية وعملهما والمؤهلات التى يحملونها( ). 

(جـ) القانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة :
التعامل عبر الانترنت ، باعتباره تعاملا دوليا ، يثير لدينا تساؤلين اثنين : الأول عن القانون الواجب التطبيق على الموقع ذاته وعلى المنازعات الناتجة عن التعامل من خلاله ؟ ، والثانى عن المحكمة المختصة لسماع النزاع وإصدار حكم قابل للتنفيذ ؟ 

ولاشك فى أهمية هذه التساؤلات بالنسبة لأى زائر للموقع لأنه إذا كان القانون الواجب التطبيق والقضاء المختص مختلفين عن القانون والقضاء الخاصين به( أى بالمتعامل) ، فإنه سيستحيل عليه ، عملا ، وزن حقوقه على وجه الدقة عند التعاقد من ناحية ، أو الرجوع على المتعاقد الأخر بسبب تكلفة هذا الرجوع العالية بالمقارنة بقيمة الصفقة من ناحية أخرى( ). ولا شك أن الطريقة المثلى هو أن يتحدد القانون الواجب التطبيق بموجب اتفاق خاص بين الطرفين( ) سواء قبل أو أثناء أبرام الصفقة . فإذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق فبالامكان أن يُغطى التوثيق هذا الجانب( ) ، فيطمئن كل متعاقد منذ البداية إلى هذا الأمر ويحسب مصالحه فى ضوء القانون المتوقع تطبيقه إذا حدث نزاع .

(2) أجراءات أمن الموقع :
موضوع الأمن هو عامل أساسى فى تأكيد ثقة المستهلكين . فالفكرة ببساطة هى أن لايتمكن متطفل من التسلل إلى موقع معين بهدف سرقة أو تعديل معلومة من شأنها إرباك المتعاملين( ) . ولذا فمن الواجب أن يمتد التوثيق إلى الاجراءات المتخذة لضمان أمن الموقع( ) . ويرتبط بموضوع أمن الموقع تأمين عملية الاتصال الذى يتم بين المشروع والمستهلك. فقبل تنفيذ الصفقة يتوجب على العميل أن يكون واثقا ومطمئنا على تأمين وسلامة الاتصال الذى يتم بينه وبين المتجر الافتراضى( ) من أى تلصص أو اختراق . 

(3) السلع والخدمات المقدمة :
من أهم الأمور التى يمكن أن يشملها التوثيق الالكترونى جودة السلع والخدمات المعلن عنها عبر الموقع . فالسلعة أو الخدمة هى الموضوع الأساسى الذى يرغب المستهلك فى الحصول عليه . ولذا فمن الأهمية بمكان أن نضمن له أن السلعه أو الخدمة المعروضة على الموقع أو التى يتم التعاقد عليها ستصله بنفس موصفات درجة الجودة المعلن عنها( ).



الفصل الثانى
نطاق عمليات التوثيق 
الالكترونى

تمهيد وتقسيم :
لم يترك المشرع الأوروبى ، على المستوى الاتحادى ، أى فرصة إلا واغتنمها لتدعيم وتثبيت الثقة فى التعاملات التى تتم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة لاسيما الانترنت . وفى هذا الاتجاه فقد حرص المشرع الأوروبى على تبنى نظاما قانونيا خاصا يُطبق على أنشطة مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى وذلك بالتوجيه الصادر فى 13 ديسمبر 1999م . وهو التوجيه الذى نقله ، فى نظامه الداخلى ، كل من المشرع البلجيكى( ) والفرنسى( ) والايطالى( ) والسويسرى( ) وغيرهم من مشرعى الدول الأوروبية.

ويبدو أن الفقه ، فى معالجاته لهذه التشريعات ، قد حصر عمليات التوثيق الالكترونى فى نطاق الخدمات المرتبطة بالتوقيع الالكترونى فقط. فهل هذا ، فعلا ، هو المجال الوحيد الذى يعمل فيه الموثق الالكترونى أو الغير محل الثقة ؟ أم أن هناك مجالات أخرى يمكن أن يمتد إليها نشاطه؟ 

أن ما أثار هذا التساؤل هو أن المشرع الفرنسى ، ومعه غالبية مشرعى الدول الأوروبية ، لم ينظم عمليات التوثيق الالكترونى إلا بمناسبة تنظيمه لخدمات التوقيع الالكترونى ، فهل هذا هو ما أراده المشرع بالفعل أم أنه وضع ، فى هذا المجال ، القاعدة العامة وترك للقضاء إمكانية مد العمل بها إلى مجالات أخرى ؟ 

نعتقد مع البعض( )أن مجال التوقيع الالكترونى ليس هو المجال الوحيد الذى يعمل فيه الغير محل الثقة أو مقدم خدمة التوثيق ، وإنما توجد مجالات أخرى يمكن أن يمتد إليها نشاط هذا الأخير مثل البريد الالكترونى المصحوب بعلم الوصول recommandé électronique ، وكذا عمليات الحفظ الالكترونى l’archivage électronique ، وأخيرا عمليات الوفاء الالكترونى ، لاسيما التعليق المؤقت blocage transitoire للمبالغ المدفوعة مقدما من قبل المستهلك( ) . وسوف نعطى لمحة مختصرة عن الدور الذى يؤديه الغير محل الثقة فى كل مجال من هذه المجالات الثلاثة :
المبحث الأول
التوثيق فى مجال خدمات 
البريد الالكترونى

(1) أهمية البريد الالكترونى :
البريد التقليدى المصحوب بعلم الوصول هو خدمة قوامها تأمين الرسالة ضد خطر الفقد أو السرقة أو التلف أو الضياع . وهى خدمة يُقدم فيها ، مكتب البريد ، للمرسل ، بناء على طلبه ، إيصال استلام الرسالة ، وكذا إيصال يفيد علم وتاريخ وصولها إلى المرسل إليه( ) . 

وقد أشار جانب من الفقه( )إلى أن البريد التقليدى المصحوب بعلم الوصول ، رغم الثقة الموضوعة فيه ، هو نظام متواضع نسبياً من حيث الضمانات التى يقدمها . إذ كل ما يُتيحه إيداع رسالة مصحوبة بعلم الوصول فى مكتب بريد هو إثبات تاريخ الايداع ، دون أى تأكيد على أن الرسالة المرسلة قد وصلت بالفعل إلى علم المرسل إليه( ) . وإذا دل إيصال الاستلام على وصول الرسالة ، فلا يمكن التأكيد على أن المستقبل قد اضطلع عليها بالفعل . ولذا وجدنا القضاء يستعين ، فى هذا الخصوص ، بفكرة القرائن بحيث يكون تسلم الرسالة قرينة على علم المستقبل بما ورد فيها . 

ويقدم البريد الالكترونى المصحوب بعلم الوصول ، الذى يقوم به شخص من الغير محل ثقة والمصحوب بآلية التوقيع الالكترونى المعتمد mécanisme de signature électronique qualifiée ، مزايا تفوق البريد التقليدى الموصى عليه( ) ، إذ يضمن البريد الالكترونى ليس فقط واقعة الارسال وواقعة تسلم الرسالة إلى المرسل إليه ، وإنما كذلك إثبات محتواها وكذا هوية طرفيها identité des parties (المرسل والمستقبل) ، فتقنية البريد الالكترونى الموصى عليه تسمح بالتحقق من أن المحتوى الذى تلقاه المستقبل يتوافق تماما مع المحتوى الذى يدعيه المرسل . بل إن هذه التقنية تسمح بالقول بأن المستقبل قد قرأ بالفعل الرسالة أو على الأقل فتحها( ). 

هذا ويتم اللجوء إلى الرسالة الالكترونية إما بدافع الرغبة فى إعداد دليل للاثبات تجنبا للنزاع فى المستقبل ، وإما لأنها مطلوبة ، لصحة إجراء معين ، بموجب نص فى قانون أو لائحة. ومن المعلوم أن البريد الالكترونى الموصى عليه يلعب دوراً كبيراً فى عمليات التعاقد عن بعد ، وهى عمليات تُبرم وتنفذ عن طريق تبادل الرسائل . وفى هذه الحالة تشتد حاجة كل طرف إلى أن يكون بيده دليل يمكنه ، عند الضرورة ، من إثبات حقه فى مواجهة الطرف الأخر ، ولا يوجد خير من البريد الالكترون الموصى عليه للقيام بهذا الدور( ) .

وإزاء هذه الأهمية فقد بدأت الكثير من التشريعات الأوروبية فى الاعتراف بخدمة البريد الالكترونى . وقد تمثل أول اعتراف تشريعى بالبريد الالكترونى فى التوجيه الأوروبى الصادر فى 15 ديسمبر 1997( ). 

وقد أقر المشرع البلجيكى هذه الخدمة بالمرسوم الملكى الصادر فى 9 يوليه 1999م فى مادته 21 حيث ورد بها ما معناه أن خدمة البريد الموصى عليه ، فى المجالات القضائية والادارية ، تقوم بها مكاتب البريد التقليدية أيا كانت الدعامة التى استخدمت فى إنشائها( ). وإذا كان هذا النص قد فتح ، من الناحية القانونية ، الباب أمام البريد الالكترونى الموصى عليه ، فإنه قد قصر القيام به ، فى المجالات القضائية والادارية ، على مكاتب البريد التقليدية فقط( ) متعللا فى ذلك بضرورة المحافظة على النظام العام وبما تملكه هيئة البريد من خبرة فى هذا المجال( ).

هذا ولم يكن بإمكان المشرع البلجيكى أن يبقى طويلا على موقفه غير المبرر هذا ، فصدر قانون 2 أغسطس 2002م مقررا الاعتراف بالبريد الالكترونى دون أى قيد أو شرط ( ) . وفى فرنسا إعترف المرسوم رقم 674ـ 2005 الصادر فى 16 يونيه 2005 بامكانية استخدام وسيلة التراسل الالكترونى فى عمليات التعاقد( ) . 
وازاء تحرير خدمة البريد الالكترونى ، على هذا النحو ، وفتحها أمام أى جهة أو شخص من الغير يتوافر له مقومات القيام بتلك الخدمة من الناحية الفنية ، فلم يبق سوى التساؤل عن قيمتها القانونية كبديل عن البريد التقليدى الموصى عليه فى الحالات التى يوجد فيها نص قانونى أو لائحى يستوجب الارسال أو التبليغ فى صورة خطاب مسجل مصحوب بعلم الوصول( ) ؟ 

ويتجه الرأى بشكل عام( )إلى صلاحية البريد الالكترونى الموصى عليه للقيام بهذا الدور ، أيا كان موضوعه وأيا كان شخص القائم به ، وذلك رغما عن أن القانون قد إستعمل مصطلح خطاب موصى عليه فى مكتب البريد. والقول بغير ذلك يكرس عملية إحتكار البريد العادى لأداء مثل هذه الخدمات رغم التطور الحاصل فى مجال تكنولوجيا الاتصال والاعتراف بقيمته على أكثر من صعيد ، وهو ما يضر ، بالتالى ، بقواعد المنافسة . ومع ذلك فإننا نتمنى أن نرى هذه الصلاحية محلا لنص صريح ، فى تشريعاتنا المحلية( ) ، يُعطى البريد الموصى عليه بالطرق الالكترونى نفس قيمة البريد الموصى عليه بالطريق التقليدى قطعا لأى جدل أو غموض حول هذه المسألة( ). وهذا ما فعله المشرع المصرى فى قانون الضرائب الجديد رقم 91 لسنة 2005م( ) . فهذا التشريع على الرغم من أنه أغفل النص على كيفية سداد الضرائب على المعاملات التجارية الالكترونية ، الا أنه تناول الحجية القانونية للاعلان الضريبى عن طريق الانترنت ، حيث نص فى المادة 116 من الباب السادس على انه " يكون للاعلان المرسل بكتاب موصى عليه مصحوبا بعلم الوصول او بأى وسيلة الكترونية لها الحجية فى الاثبات وفقا لقانون التوقيع الالكترونى الصادر بالقانون رقم 15 لسنة 2004 يصدر بتحديدها قرار من الوزير ، ذات الأثر المترتب على الاعلان الذى يتم بالطرق القانونية "
حجية الرسالة الالكترونية فى الاثبات :
فرق التقنين المدنى الفرنسى فى الفقرتين السابعة والثامنة من المادة 1369 ، المضافة الى القانون المدنى الفرنسى( ) ، بين الرسالة الالكترونية البسيطة courrier électronique simple والرسالة الالكترونية الموصى عليها courrier électronique recommandé. ففيما يتعلق بحجية الرسالة الالكترونية البسيطة أقرت الفقرة السابعة من المادة المذكورة بإمكانية استخدامها ، طبقا لمبدأ سلطان الإرادة ، فى إبرام وتنفيذ العقود ، وتعتبر حجة على ماورد فيها مالم ينكرها أو ينكر تاريخها من تنسب إليه( ). 

وبالمقابل فإن الفقرة الثامنة من نفس المادة إعترفت للرسالة الالكترونية الموصى عليها بحجية كاملة فى الإثبات ، سواء بالنسبة لمضمونها أو لتاريخ إرسالها أو إستقبالها ، شريطة أن يكون الذى أشرف على إعدادها ونقلها شخص من الغير محل ثقة مستخدماً فى ذلك آلية توثيق يكون من شأنها: 
(1) تحديد هوية الغير محل الثقة الذى أشرف على توصيل الرسالة identifie le tiers .
(2) تحديد هوية المرسل désigne l'expéditeur. 
(3) تحديد هوية المستقبل identité du destinataire .
(4) تحديد ما إذا كات الرسالة قد سلمت إلى المرسل إليه أم لا؟ remise ou non au destinataire ( ).

آلية التوثيق فى مجال البريد الالكترونى : 
ونرى وجوب ارتكاز آلية التوثيق فى مجال التوثيق الالكترونى ، على غرار آلية التوثيق فى مجال التوقيع الالكترونى ، على أمرين أساسيين : 
الأول : وجود شخص من الغير محل ثقة يتوسط بين المرسل والمستقبل فى توصيل الرسالة وتأمينها ضد الاختراق وتحديد تاريخ الإرسال والاستقبال بالإضافة إلى هوية الطرفين المتراسلين .
والثانى : النص على قرينة " موثوقية البريد الالكترونى الموصى عليه " متى اتبعت فى ممارسة الخدمة ضوابط واجراءات معينة ، وذلك على غرار القرينة المنصوص عليها فى مجال خدمات التوقيع الالكترونى( ) .

(1) وجود شخص من الغير محل ثقة :
لابد من وجود جهة أو شخص محل ثقة tirs du confiance ، يقوم بدور هيئة البريد التقليدية ، يتبع وسائل فنية على درجة عالية من الدقة فى توصيل الرسالة من المرسل إلى المرسل إليه . ويتبع هذا الغير تقنية مشابهة لتلك التى يتبعها مقدموا خدمات توثيق المفاتيح المشفرة clés cryptographiques المستخدمة لأغراض التوقيع الالكترونى( ) . وعلى منوال هؤلاء فإنه من الواجب على مقدمى خدمات البريد الالكترونى الموصى عليه أن يُقدموا ضمانات تتعلق بما يأتى :
ـ الاستقلال وسلامة الخدمة indépendance et intégrité .
ـ إعلام صحيح ودقيق لمستعمل خدمة البريد الالكترونى information correcte de l’utilisateur.
ـ استمرارية آداء هذه الخدمات continuité des activités. 
ـ ضمان مالى solidité financière .
ـ الكفاءة والخبرة للعاملين فى مجال خدمة البريد الالكترونى qualifications et expérience du personnel .
ـ ضوابط سلامة وموثوقية التقنيات المستعملة لاسيما فى مجال تسليم شهادات التصديق وكذا علم الوصول conditions de sécurité et de fiabilité des technologies utilisées.
ـ استعمال معايير معترف بها فى مجال التوثيق utiliser des normes largement reconnues dans le domaine de la certification de temps .
ـ التسليم التلقائى لدليل إثبات واقعة الإرسال من قبل مصدر الرسالة ، وكذا دليل إثبات تسلمها من قبل المستقبل عند الاقتضاء délivrance systématique d’une preuve de depot et de reception
ـ إستعمال آلية التوقيع الالكترونى المعتمد utiliser un mécanisme de signature électronique qualifiée. 

(2) قرينة موثوقية خدمات البريد الالكترونى : présomption de fiabilité
أما فيما يتعلق بقرينة موثوقية خدمات البريد الالكترونى فمؤداها أنه يفترض صحة واقعة الإرسال والإستقبال وتاريخ كل منهما متى كنا بصدد بريد الكترونى معتمد . ويعتبر البريد الالكترونى الموصى عليه بريد معتمد متى كان صادراً عن مزود خدمة مستوفى للشروط والضمانات الت نص عليها القانون( ) . 
وبالمقابل فإذا قرر المستعمل المرور عبر مقدم خدمة غير خاضع لتطبيق النظام القانونى الخاص بمقدمى خدمات التوثيق ، أى عبر مزود لبريد الكترونى غير معتمد ، فلا يُعمل بهذه القرينة ، وإنما يقع على عاتق مقدم الخدمة عبء إثبات إقناع القاضى بأن الخدمة المقدمة تسمح بالثقة التامة فى واقعة الإرسال ، وتاريخه ، وكذا واقعة وصول الرسالة إلى المرسل إليه . ولاشك فى صعوبة هذا الإثبات لاسيما إذا لم يكن مقدم خدمة البريد الالكترونى الموصى عليه يتوافر لديه الحد الأدنى من الضمانات الفنية (كالتوقيع الالكترونى المعتمد ، وشهادة التصديق).

والجدير بالذكر أن إنتفاء هذه القرينة لا يعنى عدم إمكان مسئولية مقدم تلك الخدمة إذ يمكن أن تنعقد مسئوليته ، فى هذه الحالة ، وفقا للقواعد العامة بما يعنيه ذلك من ضرورة إثبات عناصر المسئولية الثلاث من خطأ وضرر وعلاقة سببية . دون أن تنطبق عليه قرينة المسئولية ، تلك القرينة التى لا تنطبق إلا على مقدم خدمة معتمد.


المبحث الثانى
التوثيق فى مجال خدمات
الحفظ الالكترونى( )
L’archivage électronique 

(أولا) أهمية الحفظ الالكترونى : 
حفظ المستندات والمحررات ، سواء أكانت تقليدية أو الكترونية ، لايمكن أن يشكك فى أهميتها أحد . فالمستند الكتابى لا ينشأ لكى يتم التخلص منه بعد ذلك مباشرة ، وإنما تفرض المصلحة ، وأحيانا القانون ، الاحتفاظ به مدة زمنية قد تطول وقد تقصر حسب الأحوال( ) . فالاعتراف بحجية قانونية لمستند ما يفترض ثباته على حالته التى نشأ عليها طوال فترة بقاؤه ، فبقدر ثباته وعدم قابليته للتغيير أو التغير بمرور الزمان ، بقدر ما تزداد الثقة فيه . وهو ما يستتبع حفظه بطريقة لا تمكن من إدخال أى تعديل أو تغيير فى مضمونه أو فى التوقيعات التى يحملها( ) بحيث يمكن استرجاعه بحالته الأصلية ، مستقبلا ، عند الضرورة( ) . ويختلف أسلوب حفظ المستند الالكترونى ، بطبيعة الحال ، عن أسلوب حفظ المستند الورقى( ) . فلا شك أن مجيئ مجتمع المعلومات والتطور الهائل الذى حدث فى هذا المجال قد كشف النقاب عن أهمية المستندات المحررة فى الشكل الالكترونى وتزايد اللجوء إليها ، وهو ما لفت الأنظار يوما بعد يوم إلى البحث فى المشكلات القانونية المرتبطة بعمليات حفظها .

ولعل أول تحدى ، فى هذا الخصوص ، يتمثل فى مدى بقاء وثبات( ) stabilité ووضوح lisibilitéالمستند والبيانات والمعطيات الرقمية الوارة فيه وقابليتها للقراءة دون أى تأثير لمرور الزمن( ) . ومصدر هذه المشكلة يكمن ، حقيقة ، فى أن المستند الرقمى ، على خلاف المستند الورقى ، لا يمكن ، فنيا ، قراءته مباشرة من قبل الانسان ، بل لا بد من الاستعانة بوسائل وأدوات تقنية فى حالة تطور وتغير مستمر( ) . فقابلية المستند الرقمى للاسترجاع هى مسألة مهددة بالزوال مع مرور الوقت ، وذلك بسبب الخلل الذى يمكن أن يصيب الآلة أو البرامج المشغلة لها( )، أو بسبب اختراق مفاتيح التشفير( ) المحفوظة مع الكتابة الالكترونية حيث يهوى قراصنة الحاسب الآلى تنفيذ هذا الاختراق( ). 

وفى الحقيقة فإن قيمة المعلومة المخزنة رقميا تُقاس بمدى قدرة الإنسان على استرجاعها فى صورة مقروءة مفهومة دون تاثير لمرور الزمان. فالمستند الرقمى لا قيمة له إذا لم يوجد برنامج يمّكن من قراءة الوسيط الذى يحمله .

ويكمن التحدى الثانى لعمليات الحفظ الالكترونى فى أن المشكلة لاتنتهى بحفظ المستند الالكترونى ذاته ، وإنما لابد من حفظ مجموعة من البيانات اللازمة للتحقق من صحة توقيع هذا المستند وإستدعائه عند الضرورة . وتتمثل هذه المجموعة من البيانات فى المفاتيح والشهادات الرقمية التى تستخدم فى توقيع المستند الالكترونى أو تشفيرة أو حفظه . فالحفظ لايقتصر على المستند الالكترونى ذاته وإنما يشمل أيضا توابعه وملحقاته( ).

وإذا لم تكن مفاتيح التشفير (العامة والخاصة) والشهادات الرقمية وأدوات إنشاء التوقيع والتحقق من سلامته محفوظة بشكل جيد ، فسيستحيل ، مع مرور الوقت ، التحقق من هوية الموقعين على المستند أو التأكد من سلامة مضمونه ، بل وسيكون مستحيلا الدخول إليه واسترجاعه إذا كان التشفير قد تم لأغراض السرية( ) ، وهو ما يُفقد المستند أى قيمة قانونية له. 

(ثانيا) آلية الحفظ الالكترونى :
ومن هنا يأتى الدور الهام الذى يمكن أن يلعبه شخص أو جهة محايدة تتوافر لها إمكانات فنية عالية تتخصص فى عمليات الحفظ الالكترونى سواء على سبيل الانفراد أو بمناسبة قيامها بخدمات التوثيق فى مجال التوقيع الالكترونى أو البريد الموصى عليه . فمهمة الغير محل الثقة تتمثل ، إذن ، فى حفظ المستند الالكترونى فى ظروف وبطريقة آمنة تضمن صحته وسلامة مضمونه( ) ، وكذا ضمان بقائه فى حالة مقروءة خلال عدد معين من السنوات ، تختلف ، بطبيعة ، الحال باختلاف الغرض من المستند المطلوب وتقدم وسائل الحفظ ، ونصوص القانون التى تحدد مدد معينة يجب أن يبقى فيها المستند محفوظاً.

ونلاحظ بداية عدم انطباق القانون الخاص بمقدمى خدمات التوثيق فى مجال التوقيع الالكترونى ، سواء فى دول أوروبا أو منطقتنا العربية ، على مقدمى خدمات الحفظ إلا عندما تؤدَى هذه الخدمات الأخيرة بمناسبة القيام بالأولى . والقول بغير ذلك معناه إفتئات على إرادة المشرع الذى لم تتجه إرادته إلا إلى عمليات التوثيق فى مجال التوقيع الالكترونى . أما فى خارج هذه الحالة فإننا نسجل فراغا تشريعيا يجب العمل على سده فى أسرع وقت ممكن . وحتى فى الحالة المشار إليها فإن نصوص القانون الخاص بالتوقيع الالكترونى يعتريها الكثير من الشك والغموض عند محاولة تطبيقها على عمليات الحفظ الالكترونى .

ولذا فلا مناص من الإسراع فى إصدار قانون خاص بعمليات الحفظ الالكترونى ، ومع ذلك فيمكن ، كنقطة بداية ، وإلى أن يصدر تشريع شامل فى هذا الخصوص ، أن نستوحى عدد معين من الضوابط من بين تلك المنصوص عليها فى التشريع الخاص بمقدمى خدمات توثيق التوقيع الالكترونى ، ومحاولة تطبيقها ، مع بعض المواءمات البسيطة ، على أنشطة الغير القائم بعملية الحفظ . ويمكن تلخيص هذه الضمانات( ) فيما يلى :
(1) إستعمال أنظمة وبرامج وأدوات موثوق بها utiliser des systèmes et produits fiables 
(2) ـ يلتزم الغير ، مقدم خدمة الحفظ كذلك ، باعتباره ملتزما بالسر المهنى ، بضمان سرية المعلومات le secret des informations التى وقف عليها وعدم نقلها إلا إلى الأشخاص المرخص لهم صراحة بمعرفتها( ) . 
3ـ يلتزم مقدم خدمة الحفظ كذلك ليس فقط باتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع أى تزوير أو تزييف أو تغيير فى المستند المحفوظ ، وإنما كذلك باستعمال أنظمة موثوق منها بحيث يكون المستند المحفوظ وفقا لها الكترونيا تحت الرقابة الكاملة سواء من حيث أصالته أو فيما يتعلق بمضمونه . 
4ـ وأخيراً فإنه يجدر بمقدم خدمة الحفظ كذلك أن يزود أى نظام يستخدمه فى الحفظ ببرنامج لاستعادة المعلومات على المواقع المختلفة حتى يمكنه أن يكون جاهزاً لاسترجاع أى حذف أو اختفاء للمستندات المحفوظة .
5ـ ويجب فوق ذلك أن تتوافر لمقدمى خدمة الحفظ موارد مالية كافية لممارسة أنشطته وضمان دوامها واستمرارها .
6 ـ يجب على مقدم خدمة الحفظ كذلك أن يقدم ضمانات تتصل باستمرارية أنشطته.
7ـ الاعلام الدقيق لمستعملى خدمات الحفظ الالكترونى .
8ـ تقديم الغير مقدم الخدمة ضمانات تفيد استقلاله عن مستعملى هذه الخدمة سواء من الناحية المالية أو من الناحية القانونية . 

المبحث الثالث
التوثيق وتأمين عملية الدفع الالكترونى
من قبل المستهلكين
بجانب تأمين وتوثيق التوقيع الالكترونى( ) ، وتأمين وتوثيق التراسل عبر البريد الالكترونى( ) ، وتوثيق وتأمين عملية الحفظ الالكترونى( )، يمكن أن تؤدى جهات التوثيق دوراً كبيراً فى تطبيق بعض قواعد قانون الاستهلاك بما يحقق المصلحة التى قصد المشرع حمايتها من ناحية ، وبما يقضى على مخاوف البائع أو مقدم الخدمة من ناحية ثانية . ولبيان هذا الدور والوقوف على بواعثه ، نعرض لمظاهر حماية المستهلك ومدى الحاجة إلى خدمات التوثيق الالكترونى فى تأكيد وتفعيل هذه الحماية من جهة ، ثم لحقيقة ما يمكن أن تؤديه جهات التوثيق الالكترونى من جهة ثانية وذلك على النحو التالى:

المطلب الأول
مظاهر حماية المستهلك وتشخيص المشكلة
حق المستهلك فى الاعلام : إن المتتبع لأوضاع حماية المستهلك فى القوانين المقارنة يجد أن هذه الحماية تقوم على محاور أربعة : حق المستهلك فى الاعلام( ) ، وحقه فى التفكير والتدبر( ) ، وحقه فى الحماية من الاعلانات أو الدعاية الكاذبة أو المضللة( ) ، وأخيراً حقه فى العدول اللاحق عن العقد الذى ارتبط به( ) . ويكمن السبب فى صياغة الحماية بهذا الكيفية ، ووفق هذا الترتيب ، فى اختلال التوازن القائم بين طبقة المحترفين وطبقة المستهلكين( ) . فالمشرع ، فى معظم الدول ، تحقيقا للعدالة وإعادة للتوازن المفقود بين الطرفين ، فرض على عاتق الشخص المحترف ليس فقط مجرد التزام بتقديم بيانات ومعلومات معينة للمستهلك ، وإنما ، بالأحرى ، إلتزام بتهيئة الفرصة أمام المستهلك نحو فهم وإدراك كل ما يتصل بالعقد المزمع إبرامه من أمور ، فهو ، على حد تعبير المشرع الفرنسى ، إلتزام " بوضع المستهلك فى إطار القدرة على معرفة الخصائص الأساسية للسلعة أو الخدمة التى يتعامل عليها mettre le consommateur en mesure de connaître les caractéristiques essentiels bien ou du service "( ) ، وهو على حد تعبير المشرع الكيبكى ، فى المادة الخامسة من القانون الصادر فى 14يوليه 1971 ، "التزام بالافهام "( ) .

حق المستهلك فى التفكير : وحرصا أكثر على حماية المستهلك ، وتحسبا لاندفاعه ، تحت وطأة عوامل الجذب التى يتفنن ويتخصص فيها المنتجون والتجار ، فيقدم على التعاقد دون دراسة كافية لما قُدم إليه من بيانات ومعلومات( ) ، فقد حرصت التشريعات المختلفة على إعطاء المستهلك فرصة كافية للتفكير ودراسة العرض المقدم إليه بهدوء مع أفراد أسرته قبل أخذ القرار النهائى بالتعاقد( ) . وهو ما اصطلح على تسميته فى قوانين حماية المستهلك " بمهلة التفكير والتدبر " délais de réflexion( ) ، وهى مهلة يستطيع المستهلك خلالها أن يعدل عن مشروع التعاقد ، إذا قدر عدم مناسبة العرض لظروفه أو ظروف أسرته ، دون إبداء أية أسباب أو التحمل بأية نفقات( ).

حق المستهلك فى العدول : ولم تقف حماية ودعم المستهلك عند هذا الحد إذ قدر المشرع أن هذا الأخير قد لايستفيد ، بدافع الحاجة وضغط الظروف ، من مهلة التفكير الممنوحة إليه فيأخذ قراراً متعجلا بالتعاقد قد لايكون فى صالحها( ) . وتداركا لآثار هذا التعجل أعطته القوانين المقارنة مهلة لاحقة للعدول délais de rétractation إختلفت التشريعات فى تقديرها ، وهى مهلة يستطيع المستهلك خلالها الرجوع عن العقد الذى ارتضاه لمجرد اكتشاف عدم مناسبته له وذلك دون إبداء أية اسباب . 

وقد قررت هذا الحق ، فى خصوص البيع عن بعد ، للمستهلك الفرنسى نص المادة الأولى من القانون رقم 88ـ21 الصادر فى 6 يناير 1988 المعدلة بالقانون رقم 89ـ421 الصادر فى 23 يونية 1989 ، والتى أخذت رقم L.121-16 من قانون الاستهلاك رقم 93-949 الصادر فى 26 يوليه 1993م( ) ، كما قررت نفس الحق ، بخصوص البيع فى الموطن ، المادة الثالثة من القانون رقم 72-1137 الصادر فى 22 ديسمبر 1972 والتى أصبحت المادة L. 121-25 من قانون الاستهلاك المشار إليه( ) . وقررت نفس الحق ، بالنسبة للمستهلك البلجيكى ، الفقرة الأولى من المادة 80ـ1 من القانون الصادر فى 14 يوليه 1991 الخاص بممارسة مهنة التجارة( ) ، وبالنسبة للمستهلك العمانى المادة 11 من قانون حماية المستهلك رقم 81 الصادر فى 28 اغسطس 2002( )

ومنعا لأى عامل ضغط على إرادة المستهلك ، فى ممارسة حقه فى العدول , حظرت هذه التشريعات إلزام المستهلك بأى التزام ، أيا كان ، أو تعجيل الوفاء بأى جزء من الثمن قبل فوات مدة العدول( )ورتبت على عدم احترام هذا الحظر بطلان العقد( ) . ومن أبرز النصوص التى سجلت هذا الحظر ، فى بلجيكا ، نص الفقرة الأولى من المادة 80-3 من قانون ممارسة مهنة التجارة بقولها : " دون مساس بتطبيق المادة 45 /1 من القانون الصادر فى 12 يونية 1991 المتعلق بقرض الاستهلاك ، فلا يجوز الزام المستهلك بدفع أية مقابل أيا كان قبل نهاية مهلة الرجوع وهى سبعة أيام " ، وفى فرنسا نص المادة L. 121-26 من تقنين الاستهلاك بقولها " لايجوز إجبار المستهلك أو الحصول منه ـ مباشرة أو بشكل غير مباشر وبأية صفة أو شكل كان ـ على أى مقابل أو الزامه باى التزام أو تنفيذ أى أداء أيا كانت طبيعته ، قبل انقضاء مهلة الرجوع المنصوص عليها فى المادة L. 121-25 "( )

وهدف المشرع من ذلك هو ، بطبيعة الحال ، العمل على تمكين المستهلك من استعمال حقه فى الرجوع اللاحق دون أية خشية من أنه لن يسترد المبالغ التى دفعها فيتخلص ، بالتالى ، من أية ضغوط قد تقعده عن ممارسة هذا الحق( ) . فالحق فى العدول ، ويأخذ حكمه من باب أولى الحق فى التفكير ، سيضحى سرابا vain إذا أدرك المستهلك صعوبة أو استحالة استرداد ما قام بدفعه( ) ، لاسيما إذا تم التعاقد فى عالم افتراضى مفتوح كعالم الانترنت( ) . 
وتثور ، فى هذا الخصوص تساؤلات جادة حول مدى إلزامية هذا الحكم بالنسبة للمستهلك ، ثم عن مدى عدالته بالنسبة للبائع ، ثم ، أخيراً ، عن كيفية تنفيذه ووسيلة التوفيق بين مصلحة الطرفين .

ـ مدى الزامية هذا الحكم بالنسبة للمستهلك :
لاشك أن هذا الحكم ملزم للبائع أو مقدم الخدمة فلا يجوز لأيهما إلزام المستهلك بأى التزام أو إجباره على تعجيل الوفاء ، ولكن الخلاف بين النصين ، البلجيكى والفرنسى ، يتمثل فى مدى قبول الوفاء الطوعى من المستهلك قبل انتهاء مدة العدول . وحول هذه النقطة نجد أن النص الفرنسى قاطع فى هذا الخصوص ، إذ حرّم ليس فقط إجبار المستهلك على التعهد أو تعجيل الوفاء قبل انتهاء مدة العدول ، وإنما حظر ، أيضا ، تطوعه بذلك . فنحن ، باختصار ، أمام قاعدة آمره لايجوز مخالفتها من أى من الطرفين . ويتضح ذلك من قول المشرع : nul ne peut exiger ou obtenir du client…. فالوفاء السابق ممنوع سواء طلبه البائع أو عرضه المستهلك. 

أما بالنسبة للنص البلجيكى فالممنوع هو ، فقط ، إجبار المستهلك على تعجيل الوفاء قبل انقضاء مهلة العدول ، وهو ما يعنى إجازة الوفاء السابق إذا تم بمحض إرادة المستهلك. ويُفهم ذلك من قول المشرع البلجيكى : aucun paiement quelconque ne peut être exigé du consommateur فالذى حرمه المشرع هو فقط " الاجبار " ، فالمشرع قد رخص له فى عدم الوفاء إلا بعد إنتهاء مدة الرجوع . فنحن ، إذن ، أمام قاعدة تتصل بالنظام العام الحمائى للمستهلك وحده( ) . والأمر على غير ذلك بالنسبة للبائع ، فمالم يرتض المستهلك تعجيل الوفاء فلا يجوز للبائع أن يجبره عليه . والخلاصة أننا ، فى القانون البلجيكى ، بصدد نظام اختيارى بالنسبة للمستهلك ، إجبارى بالنسبة للبائع أو مقدم السلعة أو الخدمة .

ـ مدى عدالة هذا الحكم بالنسبة للبائع :
ويصُب هذا الحكم ، بكل تأكيد ، فى مصلحة المستهلك . إذ هدفه ، كما أشرنا ، رفع أى عقبة يكون من شأنها الحيلولة بينه وبين الاستخدام الفعال لمكنة العدول اللاحق . أما بالنسبة لمقدم السلعة أو الخدمة ، فما من شك أن هذا الحكم يعمل ضد مصلحته ، إذ سيجد هذا الأخير نفسه مضطراً ، إلى الارتباط النهائى بالعقد ، بل ، وأحياناً كثيرة ، إلى تسليم السلعة دون أن يتلقى أي مقابل لها إلا بعد فوات مهلة الرجوع . ولا يخفى ما يرتبه هذا الوضع من مخاطر بالنسبة للبائع أو مقدم الخدمة أهمها أنه يمكن أن يُصبح أُلعوبة فى يد مستهلك عديم التقدير يرغب فقط فى اقتناء السلعة إما من أجل الاستفادة منها مؤقتا ، وإما بقصد جمع معلومات عنها ثم شرائها بعد ذلك ، وإما ، أخيراً ، بهدف إشباع رغبته فى الابحار فى المتاجر والمحال الافتراضية المنتشرة عبر الشبكة طالما بإمكانه ، فى نهاية المطاف ، التحلل من الصفقة خلال مدة العدول لا سيما وأنه غير ملزم باثبات أى أسباب للرد( ). 

وحتى فى الفروض التى يثبت فيها جدية المستهلك فقد أثبت الممارسة العملية أن السلع كثيرا ما يتأخر ردها أو تُرد فى غير حالتها، أو لا ترد على الاطلاق( ) . وليس أمام البائعون ، فى مثل هذه الأحوال ، سوى إيثار السلامة وقبول السلعة بالحالة التى رُدت بها وإلا فالبديل هو الدخول مع المشترى فى نزاعات قد تكبده أكثر من الثمن بكثير( ) . فنحن ، بالنهاية ، أمام حلين أحلاهما مر يتمثل أولهما فى احترام القانون مع ما يعنيه ذلك من الإضرار بالبائع أو مقدم الخدمة( ) ، ويتمثل ثانيهما فى مخالفة النصوص المتقدمة ، أى عدم التعاقد إلا بعد تعجيل الثمن( ) مع مايعنيه ذلك من الإضرار بالمستهلك الذى هو محور الحماية بموجب هذه القواعد الخاصة . 

والخلاصة أن الوضع الحالى لا يخدم المصالح الشخصية للبائع ، حيث تفرض عليه خطورة موقفه إما أن يطلب تعجيل الثمن ، أو ، فى أحسن الحالات ، تأجيله إلى لحظة التسليم ، وإما الامتناع كلية عن التعاقد وهو ما يشكل ، كما أشرنا ، خرقا للقانون وتعويقاً للتجارة ، كما لايخدم مصالح المستهلك ، الذى ليس بيده أية ضمانات لاسترداد الثمن الذى دفعه إن استخدم حقه فى العدول( ) . 

وإذا كان هذا الوضع يصدق فى البيوع التقليدية ، أى التى يتواجه فيها الطرفان ويتم فيها التفاوض والنقاش وتبادل الأوراق والمستندات عن قرب وفى جو من الثقة المتبادلة ، فإنه يصدق ، من باب أولى ، فى تلك التى تتم فى عالم افتراضى غير محسوس بين طرفين لايعرف أى منهما صاحبه فى بيئة مازالت تفتقر لكثير من عوامل الثقة والأمان ، ونعنى بها بيئة الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة . 

ـ البحث عن حل متوازن يحقق مصلحة المستهلك والبائع :
البحث يدور الأن ، إذن ، عن حل متوازن يحقق مصلحة كل من المستهلك ومقدم الخدمة أو السلعة فى آن معاً ، أى حل يحمى الشرعية ويحترم القواعد الآمرة التى تصون مصالح المستهلك كطرف ضعيف فى العلاقة من ناحية ، ولا يُربك البائع أو مقدم الخدمة ويضر بالمصلحة الاقتصادية العامة من ناحية ثانية . ونرى ، من جانبنا ، أن الحل الذى يحقق كل هذه الأهداف مجتمعة يرتكز ، سواء فى التعامل التقليدى أو الالكترونى ، على وجود جهة محايدة أو شخص من الغير محل ثقة الطرفين يودَع عنده الثمن المتفق عليه حتى تنتهى مهلة العدول . فإن عدل المستهلك عن الصفقة إسترد الثمن بعد رد السلعة للبائع بالحالة التى تسلمها عليها ، وإن أمضاها دفع الغير محل الثقة المبلغ المودع لديه إلى البائع . وبهذا تتحقق مصلحة المستهلك ويتحقق الاحترام الكامل للقانون ، الذى حظر تعجيل الثمن قبل انتهاء مهلة العدول ، وبين مصلحة البائع أو مقدم الخدمة فى تأمين استرداده لسلعته فى حالة العدول ، أو لثمنها فى حالة الامضاء . وهنا يمكن أن يبرز ، مرة أخرى ، فى مجال التعاقد الالكترونى ، دور خدمات التوثيق فى تأمين عملية التبادل هذه ، وهو ما نراه في المطلب الثانى .

المطلب الثانى
دور مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى 
فى تأمين عملية التبادل
إزاء عدم وجود تنظيم قانونى يتضمن القواعد التى تحكم نشاط الغير محل الثقة فى مجال تأمين عملية التسليم والتسلم بين بائع السلعة أو مقدم الخدمة وبين المستهلك( ) بالشكل وفى المواعيد التى تحفظ لهذا الأخير حقه فى التفكير وفى ممارسة مكنة العدول التى نصت عليها الكثير من تشريعات الاستهلاك فى العالم دون تعريض بائع السلعة أو مقدم الخدمة للاشكالات والمخاطر التى عرضنا لها ، فلا مناص من الاجتهاد فى ضوء ماقُدم من أراء فقهية وما عكسته بعض الممارسات العملية . ويمكن تحقيق هذا الهدف عن طريق الاحتفاظ المؤقت للمبالغ المقدمة من قبل المستهلك لدى طرف أمين محل ثقة الطرفين ، أو عن طريق آلية الاعتماد المستندى الالكترونى . وواضح أنه لابد فى الحالين من تدخل شخص من الغير فى تنظيم وتأمين عملية الوفاء كما سنرى الأن( ) .
(أولاً) الاحتفاظ المؤقت بالمبالغ المدفوعة من قبل المستهلك :
أشار البعض( ) ، فى هذا الخصوص ، إلى حتمية الاستعانة بالخدمات التى يقدمها الغير محل الثقة tiers de confiance فى الخروج من الإشكالية محل البحث ، وذلك عن طريق قيام هذا الغير باتباع آلية الاحتفاظ المؤقت بالمبالغ المدفوعة من قبل المستهلك mécanisme de blocage transitoire des sommes versées. لحين انتهاء مدة العدول renunciation délai de . وقد سبق بالفعل تقديم مثل هذا النوع من الخدمة من قبل شركات معينة. والمثال البارز على ذلك النظام المعمول به من قبل الشركة النيرلاندية (تريبل ديل) la société néerlandaise Triple Deal ( ). وتؤدى هذه الخدمة كما يلى : كل واحد من الأطراف مدعو إلى تسجيل نفسه مسبقا فى الخدمة المقترحة من قبل الغير على موقعه المؤمن . وبعد ذلك ، وعقب اتفاق البائع مع المشترى على مبلغ الصفقة أو العملية ، يُدعى المشترى إلى تسليم أو إرسال هذا المبلغ على حساب مؤمن للغير محل الثقة (تريبل ديل فى مثالنا).

وبمجرد أن يتسلم الغير محل الثقة هذا المبلغ يُخطر الطرفان بذلك ، ليقوم البائع على الفور بتصدير المال محل الصفقةexpédier le bien commandé إلى المشترى ، واعتبارا من اليوم التالى للتسلم من قبل المشترى يكون من حق هذا الأخير ، خلال المدة التى يحددها القانون ، أن يرجع عن الصفقة . فإذا رجع المستهلك خلال هذا الفترة قام الغير محل الثقة برد المبلغ الذى تسلمه منه بمجرد تسلم البائع للمال بعد عدول المشترى .

أما اذا لم يستعمل المستهلك حقه فى الرجوع وقرر استبقاء الصفقة ، أو انتهت المدة المقررة دون عدول ، قام الغير( الأمين ) بإرسال المبلغ الذى فى حوزته إلى البائع ليستقر البيع بشكل نهائى . وزيادة فى مقتضيات الأمانة والثقة فإن الغير( شركة تريبل ديل ) لا يقوم بدفع المبلغ إلى البائع إلا بعد أن يصله تأكيد من قبل المشترى. ويتقاضى الغير محل الثقة مقابلا على ما أداه من خدمة للطرفين . وهو مقابل يختلف بحسب اختلاف مبلغ الصفقة( ).

(ثانياً) آلية الاعتماد المستندى الالكترونى :
ويمكن ، فى تقديرنا ، أن يقوم بهذا الدور أى شخص ، طبيعى أو معنوى ، طالما توافرت لديه الامكانات المادية والفنية اللازمة لذلك ، ونعتقد أن البنوك مرشحة أكثر من غيرها لانجاز هذه المهمة ، سواء فى التعامل العادى أو التعامل الالكترونى ، وذلك من خلال اللجوء إلى فكرة الاعتماد المستندى( ) . فإذا أراد المستهلك مثلا التعاقد على سلعة معينة فإنه يقوم بإبرام عقد بيع مع البائع يتفقان فيه على دفع الثمن عن طريق اعتماد مستندى ، ثم يتوجه المستهلك إلى بنكه طالبا فتح اعتماد لصالح البائع محدداً فيه كافة تفاصيل عملية البيع وشروطها( ) ، ومنها وعلى رأسها أن الوفاء بالثمن لا يتم إلا بعد انتهاء مدة العدول المقررة له بموجب قانون الاستهلاك . ويقوم البنك بعد ذلك بإبلاغ البائع بالاعتماد المفتوح لصالحه وبشروطه( ) ويأمره بسرعة إرسال السلعة المتعاقد عليها بذات الموصفات إلى المستهلك( ) ليبدأ من تاريخ تسلم الأخير للسلعه حساب مهلة العدول المنصوص عليها بموجب قوانين الاستهلاك . وعلى المستهلك ، فى نهاية تلك المدة ، أن يخطر كل من البائع والبنك ، فاتح الاعتماد ، بموقفه النهائى . فإن جاء رده إيجابيا ، بإمساك السلعة وإنفاذ الصفقة ، قام البنك فاتح الاعتماد( ) بدفع الثمن المتفق عليه إلى البائع ، أما إن جاء رد المستهلك سلبيا ، بأن أبدى رغبته فى العدول ، أُعيد الثمن إليه مرة أخرى بعد التأكد من أن البائع قد استرد سلعته لتنتهى المشكلة من حيث بدأت( ). وإذا كانت فكرة الاعتماد المستندى فكرة قديمة إلا أن التطور الحديث قد أدى الى ظهور ما يسمى " بالاعتماد المستندى الالكترونى( ) " electronc documentary credit الذى تتم فيه كافة الاحراءات والرسائل والمكاتبات والتأكيدات السابقة ، سواء بين البنوك المتداخلة وبعضها البعض أوبينها وبين طرفى عملية الاعتماد ، بالطريق الالكترونى( ). وقد ورد أول إقرار لإمكانية أن يتم الاعتماد المستندى بالطريق الالكترونى فى المادة 20 (ب) من لائحة القواعد والأعراف الموحدة 500 الصادرة عن غرفة التجارة الدولية فى أول يناير 1993م ، إذ اعتبرت هذه المادة أن المستندات التى استُخرجت عن طريق نظم الاستنساخ الالكترونية أو الآلية أصولا مالم ينص عقد الاعتماد على خلاف ذلك طالما أُشر عليها بأنها أصلية وتبدو ، فى ظاهرها ، أنها موقعة( ) .
وقد أضاف النص المذكور حكما جديداً لم يكن له مقابل فى اللوائح والأعراف السابقة مؤداه أن التوقيع على المستندات يمكن ان يتم " بخط اليد أو بطريق الفاكسيميلى أو .........أو بأية وسيلة ميكانيكية أو الكترونية أخرى من وسائل التوثيق " 

والواضح من هذا النص أن مفهوم " المستند الأصلى " قد تطور فى ظل هذه اللائحة ليشمل المستندات التى يتم استخراجها عن طريق الاستنساخ بالنظم الالكترونية أو الآلية ، وهذا يستوعب ، بكل تأكيد ، المستندات الالكترونية ، كما أن مفهوم التوقيع لم يعد قاصراً على شكله التقليدى وإنما أصبح يشمل التوقيع فى شكله الالكترونى( ) .

وبهذه الكيفية يتأكد المستهلك ، من ناحية ، أن المبلغ لن يصل إلى البائع إلا بعد نهاية المدة المقررة لصالحه لممارسة حقه فى العدول . وهذا لايجعله تحت رحمة البائع طوال تلك المدة . ومن ناحية ثانية فإن هذه الآليات تؤمن للبائع الحصول على حقه بعد انتهاء المدة التى منحها القانون للمستهلك ، كما تحميه ضد الطلبيات المزورة commandes frauduleuses ( )أو التى تتم باسم مستعار أو التى ينوى من خلالها المستهلك التلاعب بالبائع . 

ويمكننا ، فى الختام ، القول بأن هذه الآليات توصلنا إلى ذات الهدف الذى أراده المشرع عندما قرر عدم جواز إجبار المشترى على الدفع المسبق قبل فوات مدة التفكير ، دون ظلم أو افتئات على مصالح البائع أو مقدم الخدمة ، وبمعنى آخر هى آلية تتيح للمستهلك ممارسة حقه فى العدول دون خوف من أنه سيعجز عن استرداد ما عجله من الثمن إن عدل عن الصفقة ، كما تتيح للبائع الإقدام على التعامل دون خوف من مماطلة بعض المستهلكين سواء فى الوفاء بالثمن ، فى حالة امضاء البيع ، أو رد السلعة بحالتها ، فى حالة العدول . 


الفصل الثالث
التزامات مقدمى خدمات التوثيق والمسئولية
الناجمة عن الاخلال بها.

تمهيد : 
لما كانت المسئولية ، عقدية كانت أم تقصيرية ، هى وليدة الاخلال بالالتزام سابق أيا كان مصدره ، فإن الواجب علينا فى هذا الخصوص بيان الالتزامات التى تُثقل عاتق مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى ، تمهيدا لبيان المسئولية الناجمة عن الاخلال بها وهو ما نتولى بيانه فى مبحثين متواليين على النحو التالى :

المبحث الأول
التزامات مقدمى خدمات 
التوثيق الالكترونى

مع تعدد وتنوع مجالات عمل جهات التوثيق الالكترونى على نحو ما سلف البيان ، ومع قصور التشريعات التى صدرت فى هذا الخصوص عن شمول كافة هذه المجالات ، يمكن أن نرصد تعدد وتنوع فى الالتزامات التى يجب على هذه الجهات التقيد بها . ويمكن ، فى هذا الخصوص ، الحديث عن التزامات رئيسية مشتركة بين معظم التشريعات ذات الصلة ، وأخرى ثانوية أو فرعية تختلف من تشريع الى أخر ، ومن مجال الى أخر من مجالات عمل جهات التوثيق . ونبادر إلى القول بأن جُل هذه الالتزامات وإن كان يتصل بالمجال الأساسى لعمل جهات التوثيق ونعنى به " مجال التوقيع الالكترونى " ، إلا أنه بالإمكان مد العمل بها إلى المجالات الأخرى كخدمات البريد الالكترونى ، والحفظ الالكترونى ، والوفاء الالكترونى . 

ولعل القاسم المشترك الذى يدعونا إلى التأكيد على هذا الأمر ، ليس فقط وحدة الطبيعة العقدية للعلاقة التى تربط بين مقدم خدمة التوثيق والمستفيد منها فى كل هذه المجالات ، وإنما ، أيضا ، وبالدرجة الأولى ، لوحدة الغاية ، وهى " تأمين التعامل عبر الانترنت " ، وتقارب الاجراءات وفنيات القيام بالعمل فى كل منها( ) .
المطلب الأول 
الالتزامات الرئيسية لمقدمى خدمات 
التوثيق الالكترونى 
يمكن الحديث فى هذا الخصوص عن ثلاثة التزامات رئيسية أو أصلية حرصت كافة التشريعات على النص عليها تتصل ، على التوالى ، بالتأكد من من دقة وسلامة مفاتيح التوقيع الالكترونى وصحة البيانات البيانات المتداولة أو المحفوظة وتلك التى يتم تدوينها فى شهادة التصديق الالكترونى من ناحية ، وبسريتها من ناحية ثانية ، وبوقف أو الغاء العمل بهذه الشهادة وإخطار ذوو الشأن بذلك عند وجود مقتضى من ناحية ثالثة. 
(أولا) الالتزام بالتأكد من دقة مفاتيح التوقيع الالكترونى وسلامة بيانات شهادة التصديق الالكترونى( ) . 
رأينا أن غاية الأشخاص من اللجوء إلى شهادات التصديق الالكترونية هى التاكد من هوية الموقع ، وصحة توقيعه ، والسلطات الممنوحة له فى التوقيع . ولعمل ذلك تقوم جهة التوثيق ، بناء على رغبة ذوى الشأن ، بالحصول على بيانات تخص هؤلاء . وعادة ما تعتمد جهة التوثيق ، فى إعداد مفاتيح وضع التوقيع ومفاتيح التحقق من سلامته ، على البيانات والمعلومات والوثائق المقدمة منهم . وأيا كان مصدر حصولها على هذه البيانات فهى ملتزمة بالتحقق من صحتها قبل استخدامها فى تأليف تلك المفاتيح( ) ، وبالتالى قبل تدوينها فى الشهادة والاعتماد عليها سواء من قبل الموقع نفسه أو من قبل الغير( ) . ووسيلتها فى الوفاء بهذا الالتزام هو التأكد من مدى مطابقة هذه البيانات مع الوثائق المرسلة( ) من قبل العميل نفسه ، أو مع ما استطاعت أن تقف عليه بوسائلها الخاصة . 

ويعد هذا الالتزام ، فى اعتقادنا ، من أدق وأخطر التزامات جهة التصديق باعتبار أنه التزام يهدف إلى "الربط التام والتزاوج الكامل" بين معطيات وضع التوقيع Données afferents á la creation de signature ومعطيات التحقق من سلامته Données afferents á la verification de signature ونسبته إلى الموقع( ) . وهذه العملية هى " قوام " التوقيع الالكترونى ، ومصدر الثقة فيه ، وسبب تعويل الغير واعتماده عليه . فبدون إحكام هذه العملية وتنفيذها بدقة متناهية يفقد التوقيع الالكترونى كل قيمة له فى مجال القانون( ) . فالربط الصحيح بين أداة انشاء التوقيع وأداة التحقق من سلامته هى التى تضمن صحة التوقيع ونسبته إلى من صدر عنه وهى التى تطمئن الطرف الأخر إلى الدخول فى العملية . ويرتبط بهذا الالتزام ، بطبيعة الحال ، أن تعمل جهة التوثيق على جعل أداة التوقيع تحت السيطرة المطلقة للموقع وحده بحيث لايتمكن أحد غيره من إستعمال هذه الأداة . ويتعين على جهة التصديق عند اكتشاف أى تزوير أو نقص فى البيانات المقدمة ، منذ البداية ، أن تمتنع عن إصدار الشهادة المطلوبة للعميل( ) . ولا يقف التزام جهة التصديق عند هذا الحد بل عليها متابعة التحقق من صحة هذه البيانات ودقتها طوال فترة سريان الشهادة .

وفى مقام البحث فى طبيعة هذا الالتزام ، وهل هو التزام بتحقيق نتيجة أم ببذل عناية ، يمكن القول بأن نصوص بعض التشريعات قد يُفهم منها أننا بصدد إلتزام ببذل عناية( ) ، إستناداً إلى أن كل ما تلتزم به جهة التوثيق هو بذل العناية الكافية فى التحقق من دقة وكمال البيانات المدرجة فى الشهادة الالكترونية الخاصة بالعميل . ويترتب على هذا التكييف أنه لا مسئولية على جهة التوثيق ، عن عدم دقة هذه البيانات ، متى بذلت فى ذلك العناية الكافية وكان ظاهر البيانات لايدل على تزويرها أو انتهاء سريانها( ) .

ومن جانبنا لا نحبذ النظر إلى هذا الالتزام ـ التحقق من سلامة البيانات والمعلومات المستخدمة فى إنشاء مفاتيح وضع التوقيع ومفاتيح التحقق من سلامته ونسبته إلى صاحبه ـ على أنه مجرد " التزام عادى ببذل عناية " ، يمكن التخلص منه بنفى الإهمال أو عدم الاحتراز( ) ، كما لا نراه التزاماً " مشدد بتحقيق نتيجة " ، تقوم مسئولية جهة التوثيق تلقائياً عن الاخلال به دون اعتبار لأى أمر أخر( ) ، وإنما نراه التزاماً يقع فى منطقة وسطى ، فهو أعلى من مجرد " التزام ببذل عناية " وأدنى من "التزام بتحقيق نتيجة "( ). 

والذى يحقق هذه الوسطية ، فى اعتقادنا ، هو أن تُعامل جهة التوثيق بمقتضى " قرينة موثوقية "( ) Une présompation de fiabilité أدوات التوقيع الالكترونى الذى نص عليها القانون البلجيكى فى المادة 14 فقره أولى المشار إليها ، والمادة 1316-4 من القانون المدنى الفرنسى( ) والمادة الثانية من المرسوم الصادر فى 30 مارس 2001( )سابق الاشارة إليه . أو قرينة افتراض الخطأ الذى نص عليها التوجيه الأوروبى الصادر سنة 1999 فى مادته السادسة بفقرتيها الأولى( ) والثانية( ) .

وتقوم هذه القرينة على افتراض صحة وسلامة البيانات والرموز المستخدمة فى إنشاء التوقيع الالكترونى وتطابقها وارتباطها مع تلك المستخدمة فى التحقق منه ، بحيث تقوم مسئولية جهة التوثيق لمجرد عدم صحة هذه البيانات أو عدم تطابقها . وما على جهة التوثيق ، إن أرادت التخلص من المسئولية ، سوى إثبات أنها لم ترتكب ثمة خطأ يمكن نسبته إليها . 
ونتوقع من قاضى الموضوع الناظر للدعوى أن يتشدد بعض الشئ مع جهة التوثيق ، بحكم تمرسها واحترافها ، فى قبول الدليل على نفى قرينة الخطأ فى جانبها . وإن كنا نأمل أن يتطور الأمر مستقبلا تجاه الإقرار بمسئولية موضوعية مطلقة لجهة التوثيق عن أى خلل يصيب أداة إنشاء التوقيع الالكترونى أو أداة التحقق من سلامته . ونرى أن الذى يفصلنا عن هذا التطور هو فقط تكريث فكرة التأمين الاجبارى فى مجال خدمات التوثيق الالكترونى( ) . 

ثانياً : التزام جهة التوثيق بالمحافظة على سرية بيانات التوثيق: 
الالتزام الرئيسى الثانى الذى يقع على عاتق جهات التوثيق الالكترونى هو الالتزام بالسرية . ويقصد بالسرية فى هذا الخصوص الحفاظ على البيانات ذات الطابع الشخصى المقدمة من العميل لجهة التوثيق بهدف بهدف حفظها أو تبادلها أو استحدامها فى تأليف مفاتيح التوثيق الالكترونى وإصدار شهادة توثيق إلكترونية معتمدة فى هذا الخصوص( ) . ويترتب على ذلك أنه لايجوز استعمال هذه البيانات إلا للضرورة القصوى وبهدف استخراج الشهادة المذكورة( ) ، وهو ما يؤدى إلى انعقاد مسئولية جهة التوثيق عن أى استعمال لهذه البيانات خارج نشاط المصادقة( ) مالم توجد موافقة صريحة( )من الشخص المعنى( ) . وبالإضافة إلى ما تقدم يتعين على مزود خدمات المصادقة الإلكترونية قبل كل معالجة للمعلومات الشخصية إعلام صاحب الشهادة بالإجراءات المتبعة من قبله فى مجال حماية البيانات الشخصية ، ويتعين أن يكون من شأن هذه الإجراءات تمكين صاحب الشهادة من الاطلاع آليا ، وبطريقة مبسطة ، على محتوى هذه البيانات ، كما يجب أن تحدد هذه الاجراءات هوية المسئول عن المعالجة وطبيعة البيانات والغاية من المعالجة ...وكل معلومة أخرى ضرورية لضمان المعالجة الأمينة للمعطيات( ) .

ويلاحظ ، من ناحية ، أنه ولئن كان للعميل حقا أصيلا فى سرية بياناته الخاصة بحيث لا يجوز إفشاؤها أو معالجتها إلا بإذنه( ) ، أو على الأقل بعلمه( ) ، إلا أن هذا الحق ، كغيره من الحقوق الأخرى ، مقيد باعتبارات المصلحة العامة والنظام العام( ) وكذا اعتبارات الأمن القومى( ) ، كما يلاحظ ، من ناحية ثانية ، أننا أمام التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة ، بمعنى أن مسئولية جهة التوثيق لا تقوم عن الاخلال بالسرية إلا إذا وجد ، بالفعل ، ثمة خطأ يمكن نسبته إلى جهة التصديق أو إلى أحد تابعيها( ).

ثالثاً : التزام جهة التوثيق بوقف الشهادة الالكترونية مؤقتاً وإلغائها عند الاقتضاء : 
من الالتزامات الرئيسية المشتركة بين معظم التشريعات المقارنة ذلك الالتزام المتعلق بوقف العمل بالشهادة الالكترونية أو الغائها عند حدوث سبب يقينى يحتم ذلك . فقد تعن حالات معينة يكون من الواجب فيها عدم التراخى فى وقف العمل بالشهادة الالكترونية لفترة مؤقتة أو الغاؤها الغاء كاملا . ورغم أن الاخلال بهذا الالتزام قد تترتب عليه آثار خطيرة ، كعقد صفقات أو إجراء تحويلات نقدية أو سحب أموال أو إصدار أوامر شراء أو بيع ....الخ بشهادات الكترونية غير صحيحة او مشكوك فيها ، فإن مما يؤسف له أن بعض التشريعات قد سكتت عن تنظيم أحكامه كلية( ) فى حين تكلمت عنه تشريعات أخرى على استحياء وبشكل ضمنى( ) ، والقليل النادر قد تناولة بشكل صريح وأنزله من العناية ما يتناسب مع خطورته( ) . ونتناول فيما يلى حالات تعليق العمل بالشهادة الالكترونية ، وكذا حالات الغائها وذلك من منظور التشريعات التى وضعت تنظيما مفصلا لهذا الالتزام ونعنى بها على وجه الخصوص التشريع التونسى والعمانى من بين التشريعات العربية ، والتشريع السويسرى والفرنسى والبلجيكى من بين التشريعات الغربية .
(1) حالات تعليق العمل بالشهادة الالكترونية مؤقتاً : وبنظرة تأمل فى التشريعات التى اهتمت ببيان تنظيم قانونى مفصل لهذا الالتزام ، يمكن القول بأنه من الواجب على مقدم خدمة التصديق تعليق العمل بالشهادة فى الأحوال الأتية:
(أ) بناء على طلب صاحب الشأن ، سواء أكان شخصا طبيعيا أو اعتبارياً( ). 
(ب) إذا اتضح أن الشهادة المسلمة قد بُنيت على معلومات وبيانات مغلوطة أو مزيفة( ) . كما لو حدث غلط فى إسم الشخص الذى طلب إصدارها( ) ، أو فى السلطات أو الصلاحيات الممنوحة له بموجبها ، أو لأن البيانات التى قدمها العميل كانت مزيفة أو مزورة سواء علم بذلك أو لم يعلم .
(ج) إذا تيقن مقدم الخدمة أن صاحب الشهادة قد استصدرها لتحقيق أغراض غير مشروعة ، كما لو أعدها لتكون وسيلة من وسائل التدليس ، أو كان الهدف من حيازته لها كشف ملاءته ، أو استخدامها فى غسل أمواله أو الاتجار فى المخدرات .
(د) إذا تيقن مقدم خدمة التصديق أن البيانات التى صدرت الشهادة إستنادا إليها قد تغيرت . فإلتزام جهة التوثيق من التحقق من دقة وصحة بيانات الشهادة هو التزام مستمر ، إذ يجب أن تبقى البيانات صحيحة ودقيقة ، ليس فقط عند إنشاء الشهادة ، وإنما أيضا طوال فترة صلاحيتها . ولذا فإذا اكتشفت جهة التصديق ، سواء بوسائلها الخاصة( ) أو نتيجة إعلام صاحب الشأن لها( ) ، بحدوث تغيير أو تعديل فى هذه البيانات وجب عليها تعليق العمل بهذه الشهادة تعليقا فوريا لحين تصحيح وتوفيق هذه البيانات. 

(2) حالات إلغاء العمل بالشهادة الالكترونية :
وإلى جانب تعليق العمل بالشهادة الالكترونية كما قدمنا ، نص قانون المعاملات الالكترونية العمانى ( م37 ) وكذا قانون المبادلات والتجارة الالكترونية التونسى ( الفصل 20 ) على عدة حالات يتعين فيها على جهة التصديق الغاء الشهادة الالكترونية الممنوحة . هذه الحالات هى :
(أ) إذا طلب العميل ذلك . وللعميل كل الحق فى طلب الغاء الشهادة الالكترونية دون إبداء أى أسباب فهو الذى طلبها وهو الذى يطلب الغاء العمل بها ، وكل ما تلتزم جهة التوثيق به هو التحقق من أن الشخص طالب الإلغاء هو بالفعل صاحب الشهادة( ).
(ب) إذا تيقنت( ) جهة التصديق من وفاة الشخص الطبيعى( ) أو من حل أو تصفية الشخص الاعتبارى صاحب الشهادة . فعقد شهادة التصديق هو من العقود المؤسسة على الاعتبار الشخصى( ) ، بمعنى أنها تنتهى بالوفاة أو بحل الشخص الاعتبارى أو تصفيته . 

ولكن ما حكم اندماج الشخص الاعتبارى مع غيره لتكوين كيان جديد؟ ، هل بإمكان الشركة المندمجة مع غيرها الاحتفاظ بمفاتيح توقيعها الالكترونى ، وبشهادتها الالكترونية والطلب من جهة التوثيق الاعتراف بهويتها الجديدة ؟ . نرى ، مع البعض( ) ، عدم جواز ذلك منعا لأى خلط أوغموض أو تداخل فى الصلاحيات أو المهام . وعلى الشركة فى شكلها الجديد أن تستخرج شهادات إلكترونية جديدة تتفق مع هويتها المستحدثة. 

ويلاحظ ، فى هذا الخصوص ، أن النص العمانى قد جاء أدق وأعم من النص التونسى من عدة وجوه . فبينما اكتفى النص التونسى بإعلام جهة التوثيق بما يستوجب الغاء الشهادة ، فإذا بالنص العمانى يوسع المسألة أكثر فيتكلم عن "العلم" أيا كان مصدره ، وبينما يتكلم المشرع التونسى عن "انحلال" الشخص الاعتبارى كأحد اسباب الغاء الشهادة ، وجدنا المشرع العمانى يتكلم عن "حل" الشخص الاعتبارى ، والحل أوسع كثيراً من الإنحلال ، وبينما وجدنا ، أخيراً ، المشرع التونسى يتكلم عن الإنحلال فقط ، فإذا بالمشرع العمانى يسوى ، فى الحكم ، بين حل الشخص الاعتبارى وتصفيته .

ونلاحظ ، أخيراً ، أن التزام جهة التوثيق بتعليق العمل بالشهادة أو إلغائها إذا تحققت حالة من حالات الوقف أو الإلغاء هو التزام بتحقيق نتيجة ، بمعنى أن مسئولية جهة التوثيق تقوم إذا لم تُعلق الشهادة أو تُلغى فوراً متى وجد مبررا لذلك دون البحث فى أى أمر أخر . فالخطأ الموجب للمسئولية يتمثل فى "عدم التعليق أو الالغاء" متى توافرت حالة من حالاته ، حتى لو أثبتت جهة التوثيق انتفاء أى تقصير أو إهمال فى جانبها ، بل ولو قدمت دليلا قاطعاً على حسن نيتها ، بل ولو كانت بالفعل كذلك ، فهذه مسألة لا يجوز بحثها أو إثارتها ، ولا ينبغى أن يُقام فيها وزن لمسألة حسن أو سوء النية. فجهة التوثيق باعتبارها شخص محترف عليها ، وإلا كانت مخطئة خطأ غير مغتفر ، أن تدرك أن عدم وقف أو إلغاء العمل بأدوات التوقيع الالكترونى وبالشهادة الالكترونية الصادرة باعتماده ستترتب عليه آثار كارثية . 

ولا ينتهى التزام جهة التصديق عند حدود التعليق أو الالغاء ، وإنما لابد من قيام جهة التصديق بإعلام صاحب الشأن فوراً بالتعليق أو الإلغاء وسبب كل منهما . كا تُلزم جهة التصديق بتسجيل واقعة التعليق او الالغاء فى السجل الالكترونى التى تلزم قانونا بامساكه وتاريخ حدوث أى منهما حتى يتاح للغير معرفة الحقيقة . ويعد ذلك بدوره التزاما بتحقيق تيجة تقوم مسئولية جهة التوثيق عن مجرد عدم القيد فى السجل .

المطلب الثانى
الالتزامات التبعية لمقدمى خدمات
التوثيق الالكترونى

من بين الالتزامات الأخرى التى يمكن رصدها لمقدمى خدمات التوثيق الالكترونى من واقع التشريعات المقارنة التى اهتمت بتنظيم هذا النشاط ، نتكلم عن التزامه بإمساك سجل لأصحاب الشهادات إذا كانت الشهادة مقدمة إلى شخص اعتبارى( ) ، والاحتفاظ بقاموس الكترونى يتضمن الشهادات الالكترونية الصادرة عنه ومدة صلاحيتها وتاريخ تعليقها أو الغائها( ) ، يلتزم مقدم خدمة التوثيق كذلك بتقديم كل معلومة ضرورية للاستعمال الصحيح للشهادة( ) ، كما يلتزم بالاستعانة بكوادر بشرية مدربة تدريبا مهنيا عالياً وإعداد بنية تكنولوجية تمكنه من أداء المهام المنوطة به( ) ، وبتوفير موارد مالية تكفى لممارسة أنشطته والوفاء بالتزاماته( ) ، ولأغراض الاثبات وبهدف الاعداد المسبق لدليل الاثبات ألزمت التشريعات المقارنة مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى تسجيل كافة البيانات الملائمة المتعلقة بالشهادة المعتمدة والاحتفاظ بها لمدة 30 عاما( ) .

وفى مقام الحرص على استمرارية وتواصل خدمات التوثيق الالكترونى نصت العديد من التشريعات على عدة التزامات تثقل عاتق مقدمى خدمات التوثيق عندما يوقف أو يتعرض لايقاف نشاطه . وقد اجملت هذه الالتزامات المادة 15 من قانون التوقيع الالكترونى البلجيكى الصادر بتاريخ 9 يوليه 2001 . ووفقا لهذا النص يمكن التفرقة بحسب ما اذا كان هذا التوقف ارادي ، أى تم بارادة مقدم خدمة التوثيق ، أم غير ارادى ، أى حدث بسبب اجنبى لا يد لأحد فيه . 

أولا : الالتزامات المرتبطة بالتوقف الارادى عن نشاط التوثيق : 
فعندما يقرر مقدم خدمة التوثيق التوقف الارادى ، سواء لكل أنشطته أم فقط لنشاطه المتعلق بتسليم شهادات معتمدة ، فإنه يُلتزم بما يلى :
(1) اعلام جهة الادارة بهذا التوقف خلال مدة معقولة( ) . وهدف المشرع من تقرير هذا الالتزام يتمثل فى تجنب أثر المفاجأة من ناحية وفى تمكين جهة الإدارة من مراقبة بواعث وإجراءت هذه العملية من ناحية ثانية . ونجد أن المشرع قد استوجب أن يكون الإخطار قبل التوقف بمدة معقولة. ولا نجد مبرراً لشرط معقولية المدة بعد أن قررت جهة التوثيق التوقف عن ممارسة النشاط بإرادتها المنفردة ، إذ من الواجب عليها ، عندئذ ، أن تبادر باخطار جهة الإدارة فوراً . 

(2) يلتزم مقدم خدمة التوثيق ، كذلك ببذل العناية الكافية لنقل أنشطته المتصلة بتسليم الشهادات الى جهة توثيق أخرى يتوافر لها نفس المستوى من الكفاءة المتوفر لدى جهة التوثيق التى أوقفت عملها( ). ولم يبين نص القانون المعيار الذى يجب التزامه لبيان مدى الكفاءة التى ينبغى أن يتحلى بها مقدم خدمة التوثيق المتنازل اليه ، وهل هو معيار شخصى ، يستوجب تمتع جهة التوثيق الجديدة بنفس الضوابط والآليات والوسائل والاجراءات التى كانت متوفرة للجهة التى أوقفت عملها ولو كانت تزيد عن تلك التى اقتضتها النصوص ، أم معيار موضوعى ، يقوم على التحقق فقط من أن مقدم خدمة التوثيق المتنازل اليه يتوافر لدية الحد الأدنى من المتطلبات التى نص عليها القانون ولو كانت أقل من تلك التى يحوزها بالفعل مقدم خدمة التوثيق القديم ؟ . 

نرى مع آخرون ضرورة أن يتوافر فى مقدم الخدمة الجديد ذات الاشتراطات ودرجة الكفاءة التى كانت متوافرة فى مقدم الخدمة القديم ، وهو ما يعنى وجوب اعتناق معيار شخصي فى تقدير درجة الكفاءة المطلوبة لدى مقدم الخدمة المتنازل إليه . فأنشطة تقديم خدمات التوثيق الالكترونى من الأنشطة التى تُبنى على اعتبارات شخصية( ) . فالمتعامل يلجا إلى مقدم خدمة توثيق بعينه لما يتوافر له من قدرات وامكانات خاصة لا تتوافر فى غيره . فاستعمال الشهادات المعتمدة يتطلب ، فى كثير من الفروض ، لاسيما فى مجال الخدمات المالية ، مستوى عال من الأمان والدقة . ولذا فيجب ، لمصلحة العميل صاحب الشهادة ، ألا يرث مقدمة الخدمة القديم الا مقدم خدمة يتوافر فيه نفس المستوى من الكفاءة والأمان لتجنب كل ضرر يمكن ان يصيب صاحب المصلحة .

واذا لم ينجح مقدم خدمة التوثيق فى العثور على بديل تتوافر لديه نفس الدرجة من الثقة والأمان يمكن ان يقبل نقل أنشطة التوثيق الالكترونى التى توقفت اليه ، فانه يكون ملزما عندئذ بالغاء هذه الشهادات( ) . غير أنه لا يمكن لمقدم خدمة التوثيق أن يفعل ذلك الا بعد شهرين من تاريخ اخطار صاحب الشهادة بوقف النشاط ، وهو ما يعنى ارغام جهة التوثيق فى الاستمرار فى انشطتها خلال هذه المدة( ).
ثانيا : الالتزامات المرتبطة بالتوقف غير الارادى للنشاط :
واجهت المادة 15/2 من القانون البلجيكى المشار إليه الفرض الذى تقوم فيه جهة التوثيق بإلغاء نشاطها لسبب أجنبى لايد لها فيه ، كالوفاة أوالافلاس أو الحل او التصفية ....الخ ، فنصت على التزام جهة التوثيق باخطار جهة الادارة بتوقف النشاط إلا أنها ، وهذا ما يميز هذا الفرض عن سابقه فى القانون البلجيكى ، غير ملزمة بمحاولة البحث عن جهة توثيق أخرى تقبل القيام بهذه الأنشطة كما هو الحال فى فرض التوقف الارادى ، وإنما عليها القيام مباشرة بإلغاء الشهادة( )( ) وترك الحرية كاملة للشخص المعنى فى البحث عن جهة التوثيق المناسبة التى يطمئن اليها .

المبحث الثانى
مسئولية مقدمى خدمات 
التوثيق الالكترونى

تمهيد وتقسيم :
بعد أن حددنا الالتزامات ، الأساسية والفرعية ، التى تثقل كاهل مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى ، فإنه يطيب لنا التساؤل عن طبيعة مسئوليتهم وحدودها . غير أنه قبل الدخول فى تفاصيل الموضوع نرى أنه من المفيد أن نجرى عرضا عاماً للنصوص القانونية التى سنرتكز عليها فى دراستنا لهذين الأمرين كل فى مطلب مستقل على النحو التالى:

المطلب الأول
النصوص القانونية ذات الصلة
أولا : القانون الفرنسى 
التشريعات الفرنسية الصادرة فى هذا الخصوص ، وفى مقدمتها المرسوم الصادر فى 30 مارس 2001 ، لم تضع نظاماً خاصاً لمسئولية مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى ، وهو ما يمكن معه القول بحتمية اللجوء الى القواعد العامة فى القانون المدنى( ) . 
ثانياً : التوجيه الأوروبى 
وموقف القانون الفرنسى المذكور قد جاء مخالفاً لقصد المجموعة الأوروبية فى التوجية الصادر عنها فى 13 ديسمبر 1999 الذى أورد فى مادته السادسة تنظيما مفصلا لمسئولية جهات التوثيق الالكترونى وطلب من الدول الأعضاء ضرورة مراعاتها عند وضع تشريعاتها المحلية على النحو التالى :
الفقرة الأولى : تضمنت حثاً لكافة الدول الأعضاء على جعل مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى مسئولون عن تعويض الضرر الذى يصيب أى شخص ، طبيعى أو معنوى ، عوّل على شهادة التوثيق الالكترونى بخصوص ما يلى :
أـ صحة البيانات المتضمنه فى الشهادة المعتمدة وقت تسليمها.
ب ـ ضمان أن الموقع ، المحددة هويته فى الشهادة ، يحوز ، وقت تسليم الشهادة إليه ، كافة البيانات الخاصة بوضع التوقيع الالكترونى المتوافقة مع تلك الخاصة بالتحقق من سلامته .
ج ـ ضمان التكامل والارتباط التام بين بيانات انشاء التوقيع الالكترونى وتلك الخاصة بالتحقق من سلامته( ) .
الفقرة الثانية : تضمنت توجيها من المشرع الأوروبى الى الدول الأعضاء فى المنظومة الأوروبية بضرورة العمل على تنظيم مسئولية مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى عن كل ضرر ناجم عن الاهمال أو التقصير فى تسجيل إلغاء الشهادة الالكترونية أو الرجوع فيها يحدث لأى شخص طبيعى أو معنوى يركن بشكل معقول إلى هذه الشهادة . مالم يثبت مقدم خدمة التوثيق أنه لم يرتكب أى خطأ أو تقصير فى هذا الخصوص( ) .
الفقرة الثالثة : جاءت لتلفت النظر إلى وجوب اشتمال الشهادة المعتمدة على القيود الواردة على استعمالها مع ضرورة علم الغير بذلك ، كما نصت على إعفاء مقدم الخدمة من المسئولية بالنسبة للأضرار الناجمة عن سوء استخدام شهادة التوثيق( ) .
الفقرة الرابعة : تضمنت توجياً للدول الأعضاء بضرورة أن تأتى الشهادة المعتمدة متضمنة لبيان الحد الأقصى للمعاملة التى تستخدم الشهادة فى إبرامها مع ضرورة علم الغير بذلك ، ثم أضافت عدم مسئولية جهة التوثيق عن أى ضرر يحدث نتيجة إستخدام الشهادة فيما يجاوز هذه القيمة( ) .
الفقرة الخامسة : واخيراً جاءت الفقرة الخامسة والأخيرة لتوضح أن ما ورد النص عليه فى الفقرات من الأولى إلى الرابعة لا يخل بتطبيق التوجيه الأوروبى الصادر فى 5 أبريل 1993 م والخاص بالشروط التعسفية فى العقود المبرمة مع المستهلكين( ) .

ثالثاً : القانون السويسرى 
وعلى خلاف التشريع الفرنسى جاء التشريع الفيدرالى السويسرى الخاص بخدمات التوثيق الصادر فى 19 ديسمبر 2003م بنص مطول هو نص المادة السادسة عشر تناول فيه النظام الخاص بمسئولية جهات التوثيق الالكترونى على النحو التالى :
الفقرة الأولى : أرست مبدأ المسئولية بقولها " عند مخالفة مقدم خدمة التوثيق لأحد الالتزامات الواردة فى هذا القانون أو فى أحد النصوص المنفذة له ، فإنه يكون مسئولا عن تعويض كافة الأضرار الحادثة لصاحب مفتاح التوقيع الالكترونى أو الغير الذى اعتمد على شهادة الكترونية صحيحة وسارية( ) " .
الفقرة الثانية : تكلمت عن عبء إثبات الخطأ فقررت أنه " يتعين على مقدمى خدمات التوثيق إثبات أنهم لم يخالفوا الالتزامات الواردة فى هذا القانون أو فى النصوص المنفذة له( ) ".
الفقرة الثالثة : تكلمت عن مبدأ الاعفاء من المسئولية فقررت : " أنه لايجوز لمقدم خدمة التوثيق الالكترونى الاتفاق على إعفاء نفسه من المسئولية سواء عن فعله الشخصى أو فعل تابعيه . ومع ذلك فهو لايعد مسئولا عن تعويض الضرر الناتج عن عدم مراعاة او مخالفة القيود الواردة على استعمال الشهادة المعتمدة "( ) . 

رابعاً: مجموعة التشريعات العربية 
من بين التشريعات العربية التى اهتمت بتنظيم مسئولية خاصة لمقدمى خدمات التوثيق الالكترونى يمكن أن نذكر تشريع المبادلات والتجارة الالكترونية التونسى ، وقانون المعاملات الالكترونية العمانى ، وقانون المعاملات والتجارة الالكترونية لإمارة دبى ، وقانون التجارة الالكترونية البحرينى ، بينما أهمل هذا الأمر الهام المشرع المصرى .

ففيما يتعلق بمبدأ المسئولية: وردت نصوص صريحة فى مجموعة القوانين العربية المشار إليها تؤكد على مسئولية جهة التوثيق عن تعويض أى ضرر نجم عن نشاط خدمات التوثيق . وقد قررت هذا المبدأ نصوص المواد 24/4 من قانون إمارة دبى( ) ، والفصل الثانى والعشرون من القانون التونسى( ) ، والمادة 18 /1،2،3 من القانون البحرينى( ) ، والمادة 45 من القانون العمانى( ) .
أما فيما يتعلق بعبء الاثبات : فيبدوا أن كافة التشريعات العربية السابقة اتجهت الى اعفاء المضرور من عبء اثبات الخطأ ووضعت على عاتق جهة التوثيق ، إن أرادت التخلص من المسئولية ، عبء اثبات أنها لم ترتكب ثمة خطأ يمكن أن يقود إلى انعقاد مسئوليتها . ومن النصوص ذات الدلالة فى هذا الشأن يمكن أن نشير إلى نص المادة 18 / 2 من القانون البحرينى( ) ، والمادة 24/5 من قانون إمارة دبى( ) ، وهو ما يمكن تخريجه ، كذلك ،على نص الفصل الثامن عشر من القانون التونسى( ) ، والفقرة الثانية من المادة 35 من القانون العمانى( ) .

أما فيما يخص تحديد المسئولية أو الاعفاء منها وأسباب دفعها فيمكن القول بأن بعضا من القوانين العربية المشار إليها لم يأت إلا على ذكر السبب الأهم للإعفاء من المسئولية فى مجال خدمات التصديق الإلكترونى ، ونعنى به وضع حد أقصى لقيمة الصفقة التى تستخدم الشهادة الإلكترونية فى إبرامها كما فعل المشرع البحرينى( ) ، وبعضها الأخر قد تكلم عن إمكانية الاتفاق على الإعفاء من المسئولية بشكل عام دون تحديد سبب معين كما فعل مشرع إمارة دبى( ) . كما يمكن القول بأن مسئولية جهات التوثيق يمكن دفعها إما بخطأ المضرور( ) أو بخطأ الغير( ) .
المطلب الثانى
طبيعة المسئولية
إن أول ما يمكن ملاحظته من استعراض النصوص المتقدمة أن معظم التشريعات قد فرقت بين مسئولية جهة التوثيق فى مواجهة صاحب الشهادة الالكترونية ومسئوليته تجاه الغير . وطبيعى أن تكون المسئولية فى الفرض الأول مسئولية عقدية وفى الفرض الثانى مسئولية تقصيرية .

أولاً : المسئولية العقدية لمقدمى خدمات التوثيق الالكترونى 
فروض المسئولية العقدية لجهة التوثيق الالكترونى: تثور المسئولية العقدية لمقدم خدمة التوثيق أولا فى مجال العلاقة بينه وبين صاحب الشهادة الالكترونية نظراً لوجود عقد حقيقى بين الطرفين هو "عقد التوثيق الإلكترونى" أو "عقد تسليم الشهادة الإلكترونية". ووفقا لمبدأ عدم جواز الجمع بين المسئوليتين العقدية والتقصيرية principe de non cumul des responsabilités délictuelles et contractuelles فإن المادة 1382 من التقنين المدني الفرنسى ـ المقابلة للمادة 163 مدنى مصرى ـ لا يمكن تطبيقها عند تعويض الأضرار المرتبطة بتنفيذ التزام تعاقدي( ). وهكذا فلا يمكن " للموقع المضرور " أن يرفع دعوى المسئولية التقصيرية على مقدم خدمة التوثيق. فقط يمكنه استخدام دعوى المسئولية العقدية لأنه مرتبط معه بعقد .

كما يمكن تصور المسئولية العقدية كذلك فى اطار العلاقة بين جهة التوثيق والغير الذى عوَل على الشهادة متى كان هذا الغير مرتبطا بجهة التوثيق برابطة مباشرة ، كما لو تلقى هذا الغير الشهادة الالكترونية والمفتاح العام من جهة التوثيق عن طريق اتصاله المباشر بها أو عن طريق موقعها على الانترنت ، فهذا الاتصال يكفى ، فى القانون الفرنسى والمصرى وبقية قوانين مجموعة اللاتينية ، للتدليل على وجود عقد يمكن للغير الذى عول على الشهادة الاستناد اليه فى الرجوع بدعوى المسئولية العقدية( ) . أما إذا انعدمت هذه الرابطة المباشرة بين الغير وجهة التوثيق ، كما لو كان هذا الغير قد تسلم الشهادة الالكترونية والمفتاح العام من صاحب الشهادة نفسه وليس من جهة التوثيق ، فإن مسئولية جهة التوثيق قبل هذا الغير لا يمكن أن تكون إلا تقصيرية كما سنرى بعد قليل . 

وأخيرا فثمة فرض ثالث يمكن أن تثور فيه المسئولية العقدية لجهة التوثيق وذلك متى أمكن استخلاص اشتراط لمصلحة الغير من العلاقة القائمة بين جهة التوثيق وصاحب الشهادة. ويتحقق ذلك عندما يشترط صاحب التوقيع المراد توثيقه على جهة التوثيق أن تضمن تجاه الغير الأضرار التى تلحقه نتيجة تعويله على الشهادة . فعندئذ ينشئ العقد واجبا قانونيا لصالح الغير تتحمله جهة التوثيق اعمالا للقواعد العامة فى الاشتراط لمصلحة الغير( ) متى توافرت بقية شروطها( )

طبيعة الالتزام العقدى لجهة التوثيق : وأيا كان الفرض الذى تتحقق فيه المسئولية العقدية لجهة التوثيق فإن وجود الحق فى التعويض ، وفقا للقواعد العامة ، يتوقف على عناصر ثلاثة هى : الخطأ ، والضرر ، وعلاقة السببية بينهما. ويقوم الخطأ على الإخلال بالالتزام عقدي ، أي الإخلال بالتزام مصدره عقد . 
وأهم ما يميز المسئولية العقدية هو تخفيفها لعبء الاثبات لاسيما إذا كان التزام المدين هو التزام بتحقيق نتيجة أو بالضمان ، إذ يُعفى المضرور ـ الدائن ـ من عبء اثبات خطأ المدين الذى تقوم مسئوليته ، عندئذ ، بقوة القانون بمجرد اثبات عدم تنفيذه لما التزم به . ومن هنا كانت المسئولية العقدية أسهل وأيسر فى اثباتها من المسئولية التقصيرية( ). ولذا فلا غرابة فى أن تحتل مسألة تحديد طبيعة التزام المدين ، وهل هو التزام بتحقيق نتيجة أم بمجرد بذل عناية ، مكانة عالية عند دراسة المسئولية العقدية فى أى عقد من العقود ، لاسيما إذا كنا بصدد عقد حديث ومعقد كعقد التوثيق الالكترونى . 

ولذا فلابد، لبيان حدود المسئولية وتحديد من يقع على عاتقه عبء إثبات الخطأ، أن نبين طبيعة التزام مقدم خدمة التوثيق، وهل هو التزام بتحقيق نتيجة أم مجرد التزام ببذل عناية. وقد ذهب البعض الى أن تحديد طبيعة التزام جهة التوثيق يتوقف على طبيعة العقد الذى يربطها بصاحب الشهادة . مقرراً أنه يمكن النظر إلى عقد تقديم شهادة الكترونية بأنه عقد مقاوله un contrat d’entreprise. وقد انتهى صاحب هذا الرأى الى أن الالتزامات الواقعة على عاتق مقدم خدمة التوثيق هى من قبيل الالتزامات ببذل عناية، وبالتالي فإن عبء إثبات الإخلال بها يقع على عاتق الموقع( ) . 
وذهب رأى أخر الى أن الأمر يتوقف على اسلوب صياغة التزامات جهة التوثيق مشيرا الى أنه " اذا كان العقد يلزم جهة التوثيق بضمان صحة المعلومات التى تتضمنها الشهادة ، فإنها بذلك تلتزم بالتزام مشدد ، أى التزام بتحقيق نتيجة ، وتتحمل بذلك مسئولية مشددة يكفى معها ثبوت عدم صحة معلومات الشهادة . ففى هذه الحالة نكون ، فى الواقع ، أقرب لنظام الضمان منه لنظام المسئولية. أما اذا كان العقد يثقل جهة جهة التوثيق بمجرد التزام باتخاذ العناية المعقولة reasonable care نحو التحقق من صحة المعلومات ، أى تتحمل التزاما بوسيلة ، فهنا يقع على عاتق المضرور اثبات ذلك والا فلن تقوم مسئولية جهة التوثيق "( ).

ونعتقد من جانبنا فى عدم دقة التعميم السابق اذ لايصح ، كما ذهب الرأى الأول ، القول بأن كافة الالتزامات الناشئة عن عقد التوثيق الالكترونى هى من قبيل الالتزامات ببذل عناية . فعقد التوثيق تنتج عنه ، كما أشرنا ، العديد الالتزامات( ) منها ماهو التزام بتحقيق نتيجة ، كالالتزام بضمان بسلامة مفاتيح إنشاء التوقيع الالكترونى والمطابقة بينها وبين مفاتيح التحقق من سلامته ، والالتزام بالغاء الشهادة وتعليق العمل بها عند توافر حالة من حالات الوقف أو التعليق ، ومنها ماهو التزام ببذل عناية ، كالالتزام بامساك قاموس الكترونى والالتزام بالاعلام والتبصير .

كما لا يجوز ، كما ذهب الرأى الثانى ، القول بأن طبيعة الالتزام تتوقف على اسلوب صياغة العقد ، فطبيعة الالتزام وكونه التزام بتحقيق نتيجة أو ببذل عناية يتوقف على كنه الالتزام ذاته وطبيعة المصلحة التى يراد حمايتها . فالالتزام بضمان السلامة والالتزام بالتسليم مثلا هما التزامان بتحقيق نتيجة ولو نص فى العقد على غير ذلك ، وبالمقابل فان التزام العامل بأداء العمل المتفق عليه والتزام المستأجر بالمحافظة على العين المؤجرة والتزام الطبيب بالعناية بالمريض هى من قبيل الالتزامات ببذل عناية ولو نص فى العقد على خلاف ذلك . 

وبتطبيق ذلك على عقد التوثيق الالكترونى يمكن القول بأن التزام جهة التوثيق بسلامة مفاتيح التوقيع الالكترونى والتطابق بينها وبين مفاتيح التحقق من سلامته ، وكذا الالتزام بالغاء الشهادة وتعليق العمل بها هما التزامان بتحقيق نتيجة بحسب طبيعتهما ولا يجوز أن يكونا الا كذلك والقول بغير ذلك معناه أن الثقة التى تتجه التشريعات المختلفة إلى تكريثها فى مجال التعاملات الالكترونية ستبدوا سرابا .

ثانياً: المسئولية التقصيرية لمقدمى خدمات التوثيق الالكترونى: 
نلحظ مما سبق أن المسئولية العقدية لجهة التوثيق تغطى الأضرار التى تصيب صاحب الشهادة نفسه ، وتلك التى تصيب الغير الذى يتلقى الشهادة مباشرة من جهة التوثيق لوجود عقد حقيقى فى الحالتين ، كما تغطى تلك التى تصيب الغير الذى عوّل على الشهادة متى كان عقد التوثيق يتضمن اشتراطا لمصلحة هذا الغير على نحو ما سلف البيان. 

يبقى إذن فرض وحيد تغطية قواعد المسئولية التقصيرية ونعنى به فرض الضرر الذى يصيب غيراً لم يرتبط مباشرة بعقد مع جهة التوثيق ولم يعتبر مشترطا لصالحه من عقد التوثيق . وبخصوص هذا الفرض الأخير فان تطبيق القواعد العامة فى القانون المدنى يقود الى اعتبار جهة التوثيق مسئولة متى توافر الثالوث الشهير ، الخطأ والضرر وعلاقة السببية ، الذى يقع عبء اثباته على عاتق المضرور . 
ولا شك أن هذه أول نقطة ضعف فى سياج الحماية الذى يراد تقديمه للغير فى مجال التعاملات الالكترونية . فالأمر يتصل باثبات عمل فنى دقيق سيعجز الغير المضرور عن عبء النهوض به وهو ما يعنى ، فى نهاية المطاف ، تصدعا فى جدار الثقة الذى ترتبط به كل عوامل نجاح وازدهار التجارة الالكترونية . ويبقى هذا التخوف قائما حتى لو أسست مسئولية جهة التوثيق على أحد الأنظمة التقليدية للمسئولية المفترضة المعروفة وفقا للقواعد العامة، كمسئولية المتبوع عن فعل تابعه ومسئولية حارس الأشياء( ). فكل من النظريتين وان كانت تقوم على افتراض الخطأ ، بمعنى أنها تعفى الغير المضرور من اثباته ، الا أنها تعود وتعطى جهة التوثيق الحق فى دفع مسئوليتها التى انعقدت بقوة القانون ، وذلك باثبات أن تابعها لم يخطأ أصلا ، أو بأنها لم تقصر فى اختياره ، أو بأنها زودته بكافة الأدوات والوسائل اللازمة لحسن تنفيذ أعماله ، وبأنها اتخذت كافة سبل الاشراف والرقابة عليه( ) . هذا بالاضافة الى إمكانية إثبات أن الضرر كان لابد واقعاً مهما بذلت جهة التوثيق من عناية وحرص ، أى بإثبات السبب الأجنبى. وكل هذه أمور تستطيع جهة التوثيق ، بامكاناتها الفنية العالية ، وبموادردها المالية ، والبشرية المدربة ، وبمستشاريها ، أن تقوم بها . ذلك أن حماية المضرور فى مثل هذه المواقف ، أى مواقف اختلال التوازن بين طرفى العلاقة ، لاتتحقق فقط بقلب عبء الاثبات طالما أنه ما زال عاجزا ، بحكم هذا الاختلال ، عن فهم ومناقشة وتفنيد ما يطرحه الطرف القوى من وسائل وآليات وحجج وفنيات للتخلص من هذا الخطأ .




خاتمة
ومرة أخرى يفتح التقدم العلمى للقانون آفاقا وأرضاً جديدة لم تدر يوما بخلد أحد . فمن نقل الأعضاء ، إلى الهندسة الوراثية ، إلى الحاسب الآلى وتقنية الاتصال ، الى الانترنت ، تتدخل أداة التشريع إما بتطويع القواعد التقليدية ، إن كان ذلك مفيداً ومجدياً ، وإما باستحداث قواعد جديدة تقنن الاستفادة من ثمار التقدم العلمى وتواجه ، فى نفس الوقت ، مخاطره .

وها نحن قد فرغنا للتو من معالجة أحد أهم انعكاسات التقدم العلمى فى مجال الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وهو " التوثيق الالكترونى " . والتوثيق الالكترونى آلية فنية هدفها بث ونشر الثقة والآمان لدى جمهور المتعاملين بوسائل الاتصال الحديثة لا سيما شبكة الانترنت . فمن نافلة القول التذكير بأن التقدم الحادث فى هذا المجال قد طوى المسافات واختصر الأوقات وحول العالم ، باختصار، إلى أصغر من قرية محدودة. وهو ما إستتبع إدخال تعديلات جوهرية على أساليب وأشكال التعاقد . فمن التعارف المسبق والالتقاء الجسدى المادى فى مجلس واحد وتبادل الصيغ وسماع كل طرف للأخر ومحاورته والتفاهم معه ، والكتابة الورقية والتوقيعات اليدوية ، وحضور الشهود وتبادل المحررات والأوراق الثبوتية ...إلى عالم افتراضى خالى من التعارف المسبق والمواجهة المادية والحوار المباشر والكتابة والتوقيع اليدوى والأوراق الثبوتية . 

وطبيعى ، فى ضوء هذا الواقع الجديد ، أن تنعدم الثقة أو تضعف ويقل ، تبعا لذلك ، عامل الأمن والاطمئنان ليس فقط فيما يتعلق موضوع الصفقة ومدى جديتها ، وإنما كذلك فى هوية الأطراف أنفسهم . ومعلوم أن بقاء الوضع على هذا الحال معناه الاحجام عن استعمال وسائل التقنية الحديثة فى التعامل ، وهو ما يُعد ، الآن ، تخلفا وتراجعا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، عن التطور ، وحديثا بغير اللغة التى يجيدها العالم المحيط .

وازاء حتمية اللجوء إلى هذه الوسائل فى التعامل ، ونظرا لضعف الأمان الذى توفره ، فالابد من الاحتكام إلى شخص محل ثقة يوثق لنا المعاملة من حيث أطرافها وموضوعها على السواء ، فظهر ما يسمى بمقدمى خدمات التوثيق prestataires des services de certification فى مجال التوقيع الالكترونى ، وما يسمى بالغير محل الثقة tiers de confiance فى مجال خدمات البريد الالكترونى الموصى عليه وخدمات الحفظ الالكترونى.

ويقوم نشاط التوثيق ، كما أشرنا ، على وجود شخص ، طبيعى أو معنوى ، تتوافر له إمكانات فنية وتقنية ومالية عالية ، يتوسط بين طرفى المعاملة ، وتتركز مهمته فى ضمان سلامة المعاملة من حيث أطرافها ، بتطمين كل طرف إلى أن التعبير أو الرسالة التى وصلته إنما هى فعلا من الطرف الأخر الذى يقصد التعامل معه ، وكذا من حيث موضوعها ، وذلك بالعمل على وصول التعبير ، إيجابا كان أو قبولا ، دون تعديل أو تغيير أو تزوير إلى الطرف الأخر. 
ويلجأ الموثق ، فى هذا الخصوص ، إلى تقنية إعداد المفاتيح العامة والخاصة ، وإلى تقنية التشفير إن قُصد تحصين الرسائل المتبادلة من اطلاع الغير عليها . وقد عرضنا فى هذه الدراسة ، على التوالى ، لماهية عمليات التوثيق الالكترونى ، ولنطاقها ، ولالتزامات جهات التوثيق والمسئولية الناتجة عن الاخلال بها. ورأينا أن قطاع خدمات التوثيق فى مجال التوقيع الالكترونى هو قطاع صدرت بتنظيمه تشريعات خاصة فى معظم الدول الأوروبية والعربية على السواء ، بينما بقى قطاع خدمات التوثيق فى مجال البريد والحفظ الالكترونى فى حاجة إلى تنظيم قانونى شامل فى هذا الخصوص.

وقد أسفرت الدراسة عن النتائج والتوصيات التالية :
1ـ أن خدمات التوثيق الالكترونى هى الوسيلة القانونية المتاحة حاليا لبعث الثقة وتأمين التعامل عبر وسائل الاتصال الحديثة لا سيما الانترنت. ونقول حاليا اذ قد يأتى التطور العلمى مستقبلا بوسائل بديلة أو موازية لتلك الوسيلة .
2ـ كشفت الدراسة كذلك عن أن المجال الأساسى لخدمات التوثيق هو مجال التوقيع الالكترونى ، وهذا هو المجال الذى حظى بتنظيم تشريعى واسع فى مختلف الدول الاوروبية والعربية . غير أن هذا المجال ليس هو المجال الوحيد لممارسة نشاط خدمات التوثيق ، إذ يُعمل به كذلك فى مجال نشاطى البريد الالكترونى الموصى عليه والحفظ الالكترونى .
3ـ رغم أن معظم الدول العربية قد حاكت الدول الأوروبية فى إصدار تشريعات لتنظيم خدمات التوثيق فى المجال الالكترونى ، إلا أن الواقع قد كشف عن عدم توافر إمكانات ممارسة هذا النشاط فى الدول العربية على غرار ما هو متاح فى الدول الأوروبية ، سواء فى ذلك الامكانات المادية أو الفنية أو الكوادر البشرية . 
4ـ نوصى باصدار تشريع شامل ينظم الدور الذى يقوم به الغير محل الثقة فى المجالات الثلاثة المشار إليها ، ونعنى بها التوقيع الالكترونى والبريد الموصى عليه وكذا خدمات الحفظ ، حتى يحدث التناغم ويحل الانسجام وتزداد الثقة فى دور مقدمى خدمات التوثيق الالكترونى .
5ـ نوصى كذلك بضرورة تهيئة البيئة العربية لاستقبال هذا الوافد الجديد والتعامل معه، مع ما يقتضيه ذلك من توفير الامكانات المادية والفنية والكوادر البشرية بجانب التثقيف العام بأهمية هذه التقنيات فى تطوير التجارة الالكترونية وبالتالى فى تنمية الاقتصاد الوطنى .
6ـ نوصى بانشاء صندوق قومى لتعويض الأضرار التى تنتج عن الخطأ فى عمليات التوثيق تساهم الدولة بنسبة فى تمويله بجانب نسبة أخرى تخصم من المقابل التى تحصله جهات التوثيق من المتعاملين ، وإلا فالبديل هو التأمين الإجبارى على نشاط التوثيق الالكترونى مع وضع نظم خاصة تمنع شركات التأمين من التهرب من التزاماتها فى هذا الخصوص .

تم بحمد الله

ثبت بأهم المراجع

أولا : مراجع باللغة العربية
ـ ابراهيم الدسوقى أبو الليل :
توثيق التعاملات الالكترونية ومسئولية جهة التوثيق تجاه الغير المتضرر ، بحث منشور فى مؤتمر " الأعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون " المنعقد فى الفترة من 9ـ11 ربيع الأول 1424هـ الموافق 10 ـ 12 مايو 2003م ، ص 1845 .
- ابراهيم الدكانى ، حسام الدين أحمد :
المدخل الى العلوم الهندسية ، بدون دار نشر ، 2005 ، ص 119 .
ـ أحمد رشدى :
التجارة الالكترونية ، سلسلة العلوم والتكنولوجيا ، مطبوعات مكتبة الاسرة ، 2006م ، ص 15 .
ـ أشرف توفيق شمس الدين :
الحماية الجنائية للمستند الالكترونى ـ دراسة مقارنة ، بحث مقدم الى مؤتمر " الأعمال الالكترونية المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون " المنعقد فى دبى فى الفترة من 9ـ 11 ربيع الأول 1424 الموافق 10ـ12 مايو 2003ما .
ـ عبد الهادى فوزى العوضى :
الجوانب القانونية للبريد الالكترونى ، دار النهضة العربية ، بدون تاريخ نشر .
ـ فايز عبد الله الكندرى :
التعاقد عبر شبكة الانترنت فى القانون الكويتى ، بحث منشور فى مؤتمر الأعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون ، الذى نظمته كلية الشريعة والقانون جامعة الامارات العربية المتحدة بالاشتراك مع غرفة صناعة وتجارة دبى ، فى الفترة من 9ـ11 ربيع الأول 10ـ12 مايو 2003م ، المجلد الثانى ، ص 599. 

ثانياً : باللغة الأجنبية
(1) اللغة الانجليزية :
Froomkin (Michael: 
The Essential Role of Trusted Third Parties in electronic commerce, http://www.law.miami.Edu/Froomkin/articles/tusted.Html
(2) اللغة الفرنسية :
- Alain Couret, Jacques Igalens et Hervé Penan: 
La Certification, Paris, Presses Universitaires de France, 1995, Collection Que sais-je?, numéro 3006.
A.PENNEAU: 
La certification des produits et systèmes permettant la realization des actes et signatures èlectronques ( à propos du décret N˚ 2002-535 du 18 avril 2002) Rec.Dalloz 2002, chr. P.2065. 
- Bernard BRUN:
Nature et impacts juridiques de la certification dans la commerce èlectronique sur intrnet : lex électronica, Vol.7, N˚ I. 2001http://www.lexelectronica.org. -www.sinelec.com 
Cyril ROJINSKY et Guillaume TEISSONNIERE: 
L’encadrement du commerce électronique par la loi française du 21 juin 2004 pour la confiance dans l’économie numérique وهى دراسة مقدمة الى مؤتمر " تشريعات المجتمع الرقمى " المسئولون والمسئولية ، المنعقد فى مدينة مونتريال بكندا فى 7 اكتوبر 2004م . راجع الموقع التالى على الانترنت : http://www.lex-electronica.org/articles/v101/rojinsky_teissonniere.htm
-C. HUC: 
La pérennité des documents électroniques – Points de vue alarmistes ou réalistes ? », Bulletin des Archives de France sur l’archivage à long terme des documents électroniques, n° 7, oct. 2001, disponible à l’adresse http://www.archivesdefrance.culture.gouv.fr
- COMMUNICATION DANS L’ADMINISTRATION (ATICA), Guide pour la conservation des informations et des documents numériques, 2002, disponible à :http://www.atica.pm.gouv.fr/services...ervation.shtml
Didier GOBERT, 
- Commerce électronique : vers un cadre juridique général pour les tiers de confiance . 
http://www.droit-technolgie.org/doss...ncedossier.pdf
-Cadre juridque pour les signatures électroniques et les services de certification : analyse de la loi du 9 juillet 2001 , Publié in La prevue, Formation permanante CUP,Volume 54, mars 2002.
Eric Barbey, Alain Bensoussan: 
Le Contrat de certification de sites internet, http://www.journaldunet.com/juridiqu...fication.shtml
ESNAULT Julien: 
Le signature èlectronique, Mèmoire pubulè sur Signelec.com le 21 Juill. 2003, http://www.signelec.com
- Geneviève Iacono :
La certification d’assurance qualité : De nouvelles questions pour le Droit? , Revue Internationale de Droit Économique 63, 1994. 
Giovanni Maria Riccio :
La nouvelle loi italienne sur le commerce èlectronique, http://www.juriscom.net/pro/1/ce19991112.htm
Jean-Marie Ponthie : 
La certification outil de la modernité normative, Dalloz Sirey, 30, 1996 . 355-360. p. 355. 
MAXENCE ABDELL:
Courrier électronique et contrats en ligne Depuis le 16 juin 2005, une ordonnance précise les conditions d'usage du courrier électronique en matière de formalités contractuelles. Le point sur les implications de ce texte en matière de preuve, 
وهى درسة منشورة على الموقع التالى على الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) : 
http://www.journaldunet.com/juridiqu...ue050621.shtml 
- Michel Jaccard: 
Problèmes juridiques liés à la sécurité des transactions sur le réseau, http://www.signelec.com
-M. DEMOULIN et D. GOBERT: 
L’archivage dans le commerce électronique : comment raviver la mémoire ? 
Pierre-Hugues Vallée et Ejan Mackaay: 
- La confiance : Sa nature et son rôle dans le commerce électronique " Lex Electronica, vol. 11 n° 2 (Automne / Fall 2006), 
http://www.lex-electronica.org/artic...ee_mackaay.htm 
http://www.lex-electronica.org/artic...ee_mackaay.pdf 
S. PARISIEN et TRUDEL: 
- L'identification et la certification dans le commerce èlectronique, Quèbec, Ed.Yvon Blaais Inc. 1996 
-Stéphane CAÏD:
La preuve et la conservation de l’écrit dans la société de l’information, Mémoire présenté à la Faculté des études supérieures en vue de l’obtention du grade Maîtrise en droit (L.L.M.), Décembre 2002
-T. LIEUTENANT et S. MARIN: 
Archivage et horodatage de documents électroniques », disponible à l’adresse suivante : http://www.droit.fundp.ac.be/e-justice/documents.htm
TRUDEL (P): 
Les mutations du droit à l’âge numérique , juillet 2002, Revue Droit & Toile, disponible à http://www.unitar.org/isd/dt/ddt1-reflexion.html
Valèrie Sèdallian: 
Preuve et signature èlectronique, juriiscom.net/chr/2/fr20000509.htm 
ثالثا : الندوات والمؤتمرات :
(1) أعمال المؤتمر الدولي الأول لقانون الانترنت ، الوثيقة العربية لقانون الانترنت (مشروع أول) وهو مؤتمر نظمته المنظمة العربية للتنمية الادارية فى الفترة من 21 ـ 25 أغسطس 2005 م بمدينة الغردقة بجمهورية مصر العربية ، ص 249 .
2ـ مؤتمر الأعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون ، الذى نظمته كلية الشريعة والقانون جامعة الامارات العربية المتحدة بالاشتراك مع غرفة صناعة وتجارة دبى ، فى الفترة من 9ـ11 ربيع الأول 10ـ12 مايو 2003م. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق