الاثنين، 23 أبريل 2012

زيادة الايجار نظير زيادة المنفعة




بحث
هل يجوز للمؤجر أن يطالب المستأجر بزيادة الإيجار نظير زيادة المنفعة العائدة عليه طوال فترة الإيجار من جراء الأبنية المستحدثة بمعرفة هذا الأخير 


الوقائع:
استأجرت مدرسة دارًا ذات فناء محيط بها ثم أقامت المدرسة في ناحية من الفناء المؤجر إليها عددًا من الغرف استعملتها فصولاً للتلاميذ وذلك دون أن يكون في عقد الإيجار نص يحكم أمر البناء الذي يقيمه المستأجر ودون أن يحصل المستأجر على إذن سابق من المؤجر بالبناء.
ولا شك أن المدرسة المستأجرة ستلتزم عند نهاية الإيجار برد العين المؤجرة خالية من البناء الذي شيدته ما لم يختر المؤجر أن يحتفظ بها على أن يدفع الأقل من قيمة المباني المستحقة الهدم وقيمة ما زاد في قيمة الأرض وذلك طبقًا للمادة (592) والمادة (924) من القانون المدني المصري المقابلة للمواد 65/ 90 – 91 من القانون المدني الملغي.
نقطة البحث:
ولكن النقطة موضع بحثنا هذا هي الوصول إلى معرفة ما إذا كان المؤجر يستطيع أن يطالب المستأجر بزيادة الإيجار نظير زيادة المنفعة التي عادت عليه طوال فترة الإيجار من جراء الأبنية المستحدثة؟ أو بعبارة أعم ما حكم البناء الذي يقيمه المستأجر أثناء عقد الإيجار؟

البحث:
في صدد حل هذا الإشكال يتأرجح الفقه بين قواعد الالتصاق وبين القواعد التي تحكم عقد الإيجار وحق المستأجر في الانتفاع 


بالعين المؤجرة.
فرأى أول نجده عند كثير من كتاب القانون المدني وعلى رأسهم الأستاذان بلانيول وريبير Planiol et Ripert في الجزء الثالث من مؤلفهما في القانون المدني صحيفة (268) و (269) يذهب هذا الرأي إلى القول بأنه إذا لم يتضمن عقد الإيجار النص على تنظيم حالة البناء فإن حق مالك الأرض قبل المستأجر الباني يعطله حق المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة طوال مدة الإيجار وذلك مراعاة للمواد (1719) و(1728) و(1730) و (1731) مدني فرنسي وأن الحل الوحيد للتوفيق بين حق المؤجر مالك الأرض في ملكية البناء طبقًا لقواعد الالتصاق (المواد (551) إلى (555) مدني فرنسي) وحق المستأجر الباني في الانتفاع بالعين المؤجرة هو ألا يخول المؤجر حقه على البناء إلا عند نهاية عقد الإيجار، ونجد نفس الرأي عند الأستاذين أوبري ورو Aubry et Rau في البند (365) من الجزء الرابع من مؤلفهما في القانون المدني.
ونجد نفس الرأي أيضًا عند الأستاذين بودري لاكتينيرى وفال Baudry Lacantinerie et Wahl في الإيجار جزء أول بند (649).
ويرتب أصحاب الرأي الأول على رأيهم هذا أن المستأجر إذا هدم البناء أثناء العقد فليس للمؤجر أن يعترض عليه في شيء لأن كل ما له هو أن يتسلم الأرض عند نهاية العقد بالحالة التي كانت عليها عند بداية العقد.
ويؤيد الرأي نفسه الأستاذ لوران Laurent ويقول إن الحق الوحيد الذي يملكه المؤجر قبل المستأجر هو أن يتسلم أرضه بالحالة التي كانت عليها عند بداية عقد الإيجار، كما يؤيد هذا الرأي أيضًا الأستاذ دفرجييه Duvergier .
فأنصار هذا الرأي إذن يرون أن الالتصاق لا يولد أثره إلا في نهاية الإيجار فلا يتملك المؤجر المباني المقامة إلا عند نهاية عقد الإيجار أما في خلال عقد الإيجار فتبقى هذه الأبنية التي شيدها المستأجر ملكًا له.
وحيث إن هؤلاء الفقهاء يسلمون بملكية المستأجر للمباني التي يقيمها أثناء عقد الإيجار فهم يسلمون بالتالي بأن المؤجر لا يملك أن يطلب إيجارًا عن هذه الأبنية المستحدثة بمعرفة المستأجرين.
وذهب رأي ثانٍ إلى انتقاد هذا الرأي ويبني انتقاداته على ما يأتي:
أولاً: من المبادئ المسلم بها في القانون المدني أن الالتصاق يولد أثره ويرتب الملكية لمالك الأرض بمجرد حصوله بقوة القانون وفقًا للمواد (551) إلى (555) مدني فرنسي المقابلة للمواد من (922) إلى (930) من القانون المدني الحالي والمواد (64) و (66) و (89 – 91) من القانون المدني الأهلي والمختلط.
ثانيًا: أن المادة (1730) وما بعدها التي تقرر حقوق المستأجر تفترض ابتداءً وبداهة أنها لم تتوقع الحالة الاستثنائية التي نحن بصددها وينحسر نطاقها عن نطاق تطبيق المواد (551) - (555) مدني فرنسا الخاصة بالالتصاق.
ومن القائلين بهذا الرأي الأستاذ جويار Guillard في عقد الإيجار بند (297) والأستاذ الدكتور السنهوري في كتابه عقد الإيجار حيث يقول.
(يكون هذا البناء معدودًا ملكًا للمؤجر من وقت إقامته ولا يكون للمستأجر بالنسبة له إلا حق شخصي (يخوله الانتفاع به انتفاعه بالعين المؤجرة نفسها، ويكون البناء مع الأرض عقارًا واحدًا مملوكًا، للمؤجر) [(1)]
فأنصار هذا الرأي الثاني يقررون أن البناء في هذه الحالة ملك للمؤجر فور حصوله ويكون المؤجر مدينًا بأقل القيمتين على أنه – حتى أنصار هذا الرأي – يصلون إلى القول بأن المستأجر يكون له على البناء نفس ما له على الأرض وله أن يستغله طوال عقد الإيجار كما يستغل الأرض، ويقول الأستاذ أ.لارشيه E. Larcher في كتابه عن الإنشاءات De construction أن للمستأجر على البناء نفس ما له على الأرض المؤجر له.
ويعنينا هنا أن نشير إلي مادتين في القانون المدني المصري قد تناولتا هذا الموضوع.
المادة (580): وتنص على ما يأتي:
(لا يجوز للمستأجر أن يحدث بالعين المؤجرة تغييرًا بدون إذن المؤجر إلا إذا كان هذا التغيير لا ينشأ عنه أي ضرر للمؤجر، فإذا أحدث المستأجر تغييرًا في العين المؤجرة مجاوزًا في ذلك حدود الالتزام الوارد في الفقرة السابقة جاز إلزامه بإعادة العين إلى الحالة التي كانت عليها وبالتعويض إن كان له مقتضٍ).
المادة (592): وتنص على ما يأتي:
( إذا أوجد المستأجر في العين المؤجرة بناءً أو غراسًا أو غير ذلك من التحسينات مما يزيد في قيمة العقار التزم المؤجر بأن يرد للمستأجر عند انقضاء الإيجار ما أنفقه في هذه التحسينات أو ما زاد في قيمة العقار ما لم يكن هناك اتفاق يقضي بغير ذلك.
فإذا كانت تلك التحسينات قد استحدثت دون علم المؤجر أو رغم معارضته كان له أيضًا أن يطلب من المستأجر إزالتها وله أن يطلب فوق ذلك تعويضًا عن الضرر الذي يصيب العقار من هذه الإزالة إن كان للتعويض مقتضٍ.

إذن نستخلص من هاتين المادتين ما يأتي:
1 - للمستأجر أن يقيم مباني جديدة بالعين المؤجرة إليه ولو بدون إذن المؤجر أو علمه متى كانت هذه المباني لا ينشأ عنها ضرر للمؤجر، وهذا أيضًا ما يذهب إليه أوبري ورو وبلانيول وريبير حيث يسمحون للمستأجر أن يقيم بالعين المؤجرة كل ما يقتضيه شؤون الاستغلال للعين المؤجرة طالما لا ينشأ عن ذلك ضرر للمؤجر.
2 - يعطي المشرع للمؤجر قبل المستأجر الذي يقيم بناءً في العين المؤجرة الحق في أن يحتفظ بالبناء عند انقضاء الإيجار على أن يرد للمستأجر ما أنفقه في بنائه أو ما زاد في قيمة العقار ويخوله أيضًا إذا حصل البناء دون علمه أو رغم معارضته كما هو الأمر في حالتنا - أن يطلب من المستأجر إزالة البناء مع التعويض إذا كان له مقتضٍ.
نخلص من موقف الفقهاء إلى أنه لا يجوز للمؤجر أن يزيد من الإيجار مقابل البناء الذي يقيمه المستأجر في الأرض المؤجرة إما لأن المستأجر مالك له على الرأي الأول أو لأنه له عليه نفس ماله على العين المؤجرة من حقوق على الرأي الثاني.
ولكن ألا يجدر بنا أي نراعي أن المستأجر قد زادت منفعته من جراء هذه الأبنية الجديدة زيادة تبرر أن يطالب المؤجر بزيادة الأجرة وألا يجدر بنا بالتالي أن نتلمس الحجج التي يمكن أن تؤدي بنا إلى هذه النتيجة؟
لا شك أنه لا يمكن تأسيس المطالبة بزيادة الأجرة في حالتنا على الإثراء بلا سبب لأنه هنا لا يوجد افتقار للدائن وهو المؤجر كما أننا نوجد في نطاق رابطة تعاقدية مما لا يسمح بتطبيق هذه النظرية.
على أننا قد نجد في القواعد العامة من القانون ما يؤدي إلى هذا الرأي.
أولاً: رأينا أن الرأي القائل بأن المستأجر يبقى مالكًا للبناء أثناء عقد الإيجار قد هدمته حجج الرأي الثاني، أما عن الرأي الثاني فيمكننا أن نلاحظ عليه ما يأتي:
1 - أنه وإن كان عقد الإيجار يعطي المستأجر على البناء الذي أقامه نفس الحقوق التي له على العين المؤجرة فلا يمكننا أن ننكر أنه يحمله أيضًا بنفس الالتزامات التي يحملها له الانتفاع بالعين وهي دفع الأجرة، وحيث إن الأجرة تقابل الانتفاع فإنه يجدر أن تزيد الأجرة بزيادة المنفعة.
2 - القانون المدني عندما أعطى بمقتضى المادة (592) للمؤجر قبل المستأجر الباني الحق في الاحتفاظ بالبناء وخوله طلب إزالته إذا كان البناء رغم معارضته أو دون علمه فلا يبدو أنه حرمه من حق طلب زيادة الأجرة مقابل زيادة انتفاع المستأجر.
ثانيًا: بمقتضى المادة (569) إذا هلكت العين المؤجرة هلاكًا جزئيًا أو نقص الانتفاع بها جاز للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة، فمن باب القياس العكسي يمكننا أن نقول إنه إذا زادت العين المؤجرة وزادت منفعة المستأجر بالتالي كان للمؤجر أن يطالبه بزيادة الأجرة.
ثالثًا: قلنا إن الرأي السليم في الفقه هو أن الالتصاق يرتب أثره بقوة القانون وبمجرد حصوله وعلى ذلك يكون المستأجر حائزًا لبناء مملوك لغيره ويستغله أي يحصل منه ثمارًا، وحيث إن الثمار للمالك فليس للمستأجر أن يحصل ثمار البناء بلا مقابل وذلك طبقًا للمادة (804) من القانون المدني المقابلة للمادة 11/ 2 أهلي و 28 من القانون المدني المختلط التي تقول لمالك الشيء الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ما لم يوجد نص أو اتفاق يخالف ذلك.
وحيث إنه يفهم من هذا النص أن المالك لا يحرم من ثمار ملكه إلا بمقتضى اتفاق وفي حدود هذا الاتفاق بمعنى أن ما خرج عن نطاق هذا الاتفاق من الثمار والمنتجات يبقى حقًا قاصرًا على المالك دون غيره، وحيث إن عقد الإيجار لم ينصرف لا صراحة ولا ضمنًا إلى منح المستأجر إلا ثمار الأرض المؤجرة بوصفها أرضًا فضاءً فإن ثمار البناء المقام تخرج عن نطاق ما خول المستأجر من ثمار وتبقى حقًا خالصًا لمالك الأرض وله أن يطالب المستأجر بها.
رابعًا: يحصل المستأجر من المؤجر على قيمة المصاريف التي صرفها في البناء أو قيمة ما زاد في قيمة الأرض فإذا لم يخول المؤجر اقتضاء مقابل انتفاع المستأجر بالبناء لاستفادة ذمة المستأجر بأقل القيمتين وبالزيادة في منفعة العقار ولاختل التوازن بين كفتي المؤجر والمستأجر ويقتضي إعادة التوازن بين المصلحتين تخويل المؤجر رفع الأجرة مقابل زيادة الانتفاع.
ونرى في هذا الوضع صورة وإن كانت مخففة من صور الغبن وبخاصة بعد أن أصبح الغبن بمقتضى القانون المدني الجديد نظرية عامة تستوجب انتقاص الالتزامات المفرطة - المادة (130) من القانون المدني.
هذه هي الحجج التي يمكن أن تدعم الرأي القائل بتخويل المؤجر رفع الإيجار مقابل زيادة المنفعة المترتبة على البناء الذي استحدثه المستأجر.

القضاء المصري:
على أن محكمة القاهرة الابتدائية قد أدلت بدلوها في هذه المسألة [(2)] مقررة أنه (ليس في القانون ما يعطي المؤجر الحق في استقضاء مقابل ما قام به المستأجر نفسه من تعديل أو تحسين في العين المؤجرة، وليس من المقبول عقلاً أن يطالب المستأجر بدفع أجر أكثر لأن انتفاعه بالعين قد زاد عن ذي قبل زيادة لم تكن ملحوظة وقت التأجير، فالمؤجر مكلف بأن يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين تلقاء الأجرة المتفق عليها والفائدة أو الربح الذي يجنيه المستأجر نتيجة انتفاعه مرهون على مقدرته ونشاطه ووسائله وبضاعته التي يزجيها وطريقة فئة في الإعلان واجتذاب العملاء الذين لا يقصدون العين المؤجرة لذاتها وإنما لمحتوياتها) وفي موضع آخر من حكمها تقول المحكمة) وحيث إن المبادئ الواضحة في القانون المدني إن ألزم المؤجر تمكين المستأجر من الانتفاع laisser Jouir [(3)] م 558 كما أجاز للمستأجر الذي تسلم العين غير صالحة للانتفاع الذي أجرت من أجله أو نقص هذا الانتفاع نقصًا كبيرًا طلب الفسخ أو إنقاص الأجرة م 565 كما أوجب على المؤجر صيانة العين مدة الإجارة كما نصت المادة (580) منه على أنه (لا يجوز للمستأجر أن يحدث بالعين المؤجرة تغييرًا بدون إذن المؤجر إلا إذا كان هذا التغيير لا ينشأ عنه أي ضرر للمؤجر، فإذا جاوز ذلك جاز إلزامه بإعادة العين إلى الحالة التي كانت عليها وبالتعويض إن كان له مقتضٍ) كما تكلمت المادة (592) عن حالة قيام المستأجر بغراس أو بناء بعلم المؤجر أو بغير علمه، فالمستفاد من نصوص القانون أن للمستأجر الحق في أحداث تغييرات بالعين المؤجرة، فإذا كان من أثر إحداثها أن يصيب المؤجر ضرر كان لزامًا على المستأجر أن يحصل ابتداءً على موافقة المؤجر ولا داعي لهذا الاستئذان إذا كانت لا تحدث أي ضرر بالمالك، وإذا جاوزت التغييرات الحد المتفق عليه مع المؤجر جاز للمؤجر مطالبة المستأجر بإعادة العين إلى ما كانت عليه مع التعويض، فحق المستأجر مطلق في إحداث التغييرات بالعين وبدون إذن المالك إذا لم ينجم عنها ضرر بالمالك أما إذا كان من شأنها إحداث الضرر به كان لزامًا على المستأجر أن يستأذن المالك قبل إجرائها فإذا صرح له المالك ولكن المستأجر تجاوز حدود هذا التصريح حق للمالك أن يطالب المستأجر بإعادة العين إلى ما كانت عليه مع التعويض.

مجلة المحاماة - العددالرابع - 1954
نعيم عطية المحامي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق