الحرب ومدى أثرها
في الالتزامات الناشئة عن عقد الإيجار
لعل أول ما يشغل بال الناس في حالة الحروب أو خطر الحروب عرض الدنيا بعد جوهر الحياة، ولذا كان طبعيًا أن تحتل مشكلة ترتيب العلائق المالية بين الأفراد من نفوس الجماهير مكانها الأول من دائرة التفكير وأن تصبح عقود القانون الخاص كعقد القرض والبيع والرهن وعارية الاستعمال والاستهلاك والوديعة والاستصناع وإيجار الأشياء في وضع يستدعي الدرس والبحث - فكم من الملايين البشرية من المستأجرين قد استهوتها رغبة الهجرة من الحضر حيث الأخطار إلى الريف حيث الاستقرار كما تولتها رهبة التحلل من الالتزامات التي ترتبت على عقود إيجار مساكنهم ومحال تجارتهم وصناعتهم فأصبحوا بين هذه الرغبة وتلك الرهبة يتلمسون لهم على متن القانون طريقًا وينشدون لدى المحاكم والقاضي والفقيه حلاً رفيقًا يضمن التوفيق والانسجام بين المصالح المتعارضة وأصبح السؤال الآتي حديث الظاعن والمقيم (هل لحالة الحرب القائمة أثر في التزام المستأجر؟)
عقد الإيجار عقد تبادلي ينشئ التزامات في جانب المؤجر وأخرى في جانب المستأجر فالمؤجر - في القانون المصري - ملتزم بتسليم الشيء المؤجر إلى المستأجر وبعدم التعرض للمستأجر في انتفاعه بالشيء المؤجر أو إحداث تغييرات تخل بذلك الانتفاع وبترك المستأجر ينتفع بالعين المؤجرة ويلتزم المستأجر باستعمال الشيء فيما أعد له مع بذل العناية به وبدفع الأجرة في مواعيدها وبرد الشيء عند نهاية الإيجار.
تسير الأمور سيرها الطبعي ويقوم المؤجر والمستأجر بالتزاماتهما حتى إذا ما بدا شبح الحرب اختل ميزان ذلك التبادل وأصبح خطر الحرب يهدد المستأجر في انتفاعه بل ويقصيه عن العين المؤجرة فهل يظل المستأجر مع ذلك ملتزمًا بأداء الأجرة واحترام العقد ؟
أول ما يتبادر إلى الذهن جوابًا على هذا السؤال هو أن للمستأجر حقًا في أن يتلمس إلى الفسخ سبيلاً بين مقتضياته وأولها القوة القاهرة force majeure أو الحادث الجبري cas fortuit وقريب إلى ذلك النظر أن يتذرع بقيام نظرية الظروف الطارئة théorié de l’imprevision .
عن الحادث الجبري والقوة القاهرة كسبب يجيز للمستأجر الفسخ:
لا يتحقق الفسخ أصلاً في غير العقود الملزمة للجانبين، وآية ذلك أن مما لا يقره عدل أن يظل أحد الطرفين مقيدًا بالتزاماته في الوقت الذي يخل فيه الآخر بحرمتها - ويضاف إلى ذلك أن كل التزام معقود بسببه وبالتالي فإن عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه يجعل التزام الطرف الآخر منتفي السبب ولهذا يجوز للمتعاقد الآخر أن يرجع فيما التزم به، وإلى جانب ذلك القول يوجد أصل عام مؤداه أن لا يطلب الفسخ إلا إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه سواء أكان عدم التنفيذ راجعًا إلى قيام القوة القاهرة أو الحادث الجبري أو إلى خطأ ارتكبه المتعاقد.
هذان الأصلان هما دعامة نظرية الفسخ في العقود التبادلية - فإذا كان المؤجر قد قام بالتزام التسليم وترك المستأجر ينتفع الانتفاع الهادئ وامتنع عن أن يأتي ما يعكر عليه صفو انتفاعه فهل إذا ما قامت أعمال الحرب بذلك التعكير عد المؤجر مسؤولاً عنها ويصبح بالتالي للمستأجر حق في أن يخلي العين المؤجرة قبل نهاية المدة المحددة وأن يتحلل من التزامه بدفع الأجرة عن المدة الباقية؟
تعرض الفقهاء وأحكام المحاكم في فرنسا لهذه المسألة بالذات بصدد الكلام عن التزام المؤجر بضمان التعرض المادي أو التعرض المبني على سبب قانوني إذ طبقًا للقانون الفرنسي يلتزم المؤجر بنص المادة (1725) مدني بأن يضمن للمستأجر التعرض القانوني (وهو المبنى على حق يدعيه المتعرض على العين المؤجرة) دون أن يضمن التعرض المادي trouble de fait فامتد بهم الجدل حول حالات التعرض المادي الصادرة من الغير إلى مناقشة حالة الحرب والثورة فرأى فريق منهم في ظرف قيام الحرب أو نشوب الثورة ظرفًا أجل خطرًا من أن يكون مجرد تعرض مادي لا يسأل عنه المؤجر ورتبوا على ذلك وجوب الضمان – ورأى فريق آخر وعلى رأسه الفقيهان بودرى وفال عكس الرأي السابق وقالا باعتبارهما حالة تعرض مادي لا يضمن المؤجر عنها شيئًا وحجتهما في ذلك هي أن الأعداء المحاربين أو جماعة الثوار إنما يتعرضون مجرد تعرض مادي دون أن يدعوا لأنفسهم حقًا على العين المؤجرة ومتى انعدم التعرض القانوني واقتصر على التعرض المادي فلا ضمان على المؤجر، واستندا في ذلك إلى ما رآه الفقيه (Ballot) في كتابه عن (آثار الحرف في الإيجار والملكية ص(38)) حيث يشاركهما ذلك التأويل، بل وقد ذهب هذا المؤلف إلى القول بمسؤولية المستأجر عن ترك العين المؤجرة باعتباره مسؤولاً أصلاً عن المحافظة عليها وملتزمًا بتسليمها إلى المؤجر بحيث إذا غادرها فألحق بها الغير أضرارًا فهو مسؤول عن التضمينات الناتجة عن تلك الأضرار - وأبعد من ذلك فإنهما لا يريان في قيام حالة الاحتلال أو الحصر بالمدينة التي يقيم فيها المستأجر ويقع المكان المؤجر ظرفًا يجيز له الفسخ ولو أثبت عدم استقرار الأمن والطمأنينة بل ولو فاته بعض أو كل أوجه الانتفاع بالعين المؤجرة.
ونحن نرى أن الرأي الأول أولى بالاعتبار والتأييد وقد دعمه الأستاذ الدكتور عبد الرازق السنهوري بك في مؤلفه القيم عن عقد الإيجار فقرة (241) ص (306) حيث يقول - عن الرأي الأول ) وهذا الرأي وجيه لاسيما إذا بنى على أن حالة الحرب قوة قاهرة تمنع المستأجر من الانتفاع بالعين فيصبح المؤجر غير قادر على الوفاء بالتزامه كله أو بعضه وهذا مما يستلزم فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة) - هذا ولا ينكر الفقيهان بودرى وقال أن الرأي المخالف لرأيهما قد لقي تأييدًا عامًا.
والواقع من الأمر هو أنه من التعسف بمكان أن تعتبر حالة الحرب من قبيل التعرض المادي الذي لا يضمنه المؤجر والتي لا تجيز بالتالي للمستأجر أن يطلب الفسخ أو إنقاص الأجرة وأنه لا يقبل عقلاً ولا عدلاً أن يظل المستأجر في عقد تبادلي المنفعة والالتزام ملتزمًا بدفع الأجرة حيث يستحيل عليه الانتفاع خصوصًا وأن الشارع المصري قد نص صراحة في المادة (393) من القانون المدني الأهلي على أنه إذا منعت الحادثة الجبرية المستأجر من تهيئة الأرض أو بذرها وأتلف ما بذر فيها كله أو أكثره تكون الأجرة غير مستحقة أو واجبًا تنقيصها وفي هذا أبلغ مقدمة يمكن أن يقاس عليها حكم حالة قيام الحرب - وهي أولي الحوادث الجبرية وحكم عدم تمكن المستأجر من الانتفاع بالعين إزاء ما يهدده من الأخطار والأهوال - على أنه إذا كان حقيقة أن المؤجر في حكم القانون الفرنسي ملزم بتمكين المستأجر من الانتفاع وأنه في حكم القانون المصري ملزم بتركه ينتفع فحسب فليس مؤدى ذلك الفرق أن يظل المستأجر عاجزًا عن الانتفاع ومجبرًا على أداء الأجرة في الوقت الذي يعجز فيه المؤجر أو غيره عن أن يحقق للمستأجر حقه في الانتفاع بما استأجره - والواقع أن الشارع المصري بذلك الحكم قد انقاد لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء - أحد مصدريه التشريعيين في باب عقد الإيجار - وهي التي تؤكد مبدأ صريحًا وهو أن الأجرة مقابل الانتفاع بحيث إذا استحال على المستأجر استيفاء المنفعة سقط عنه التزام إيفاء الأجرة وإليك نص المادة (586) من كتاب مرشد الحيران (تجب الأجرة في الإيجارة الصحيحة بتسليم العين المؤجرة للمستأجر واستيفائه المنفعة فعلاً........(وكذا نص المادة (674) (إذا غلب الماء على الأرض المؤجرة فاستبحرت ولم يمكن زرعها أو انقطع الماء عنها فلم يمكن ريها فلا تجب الأجرة أصلاً وللمستأجر فسخ الإيجارة) - وما أبدع ما رآه مذهب الحنفية بصدد نظرية الحوادث الجبرية حيث يسلمون بالفسخ في بعض العقود التبادلية وأهمها عقد الإيجار إذا تحقق العذر آية ذلك لديهم أنه (لو لزم العقد عند تحقق العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد)، ورتبوا العذر إلى أقسام فمنه ما يرجع إلى العين المؤجرة ومنه ما يرجع إلى المؤجر وفي ذلك رسموا فيصلاً مرنًا قابلاً للعمل به في كل زمان ومكان بعيدًا عن الحرج قريبًا إلى التيسير المحمود وما أبدع ما قاله ابن عابدين في ذلك الشأن، والحاصل أن كل عذر لا يمكن معه استيفاء المعقود عليه إلا بضرر يلحقه في نفسه أو ماله يثبت له حق الفسخ (راجع ابن عابدين ج (5) ص (76) وانظر في تفاصيل تلك المسألة (بدائع الصنائع) ج (4) ص (197) والفتاوى الهندية ج (4) ص (458)).
وأبلغ من ذلك دلالة وأقطع منه إمعانًا في وجوب اتباع الرأي القائل باعتبار حالة الحرب قوة قاهرة تجيز فسخ عقد الإيجار ما ذهب إليه الشارع المصري في المادة (370) مدني أهلي حيث ينص على أنه (إذا هلك الشيء المؤجر ينفسخ الإيجار حتمًا وأما إذا حصل به خلل فيجوز للمستأجر أن يطلب إما فسخ الإيجار وإما تنقيص الأجرة على حسب الأحوال (م1722 وما بعدها مدني فرنسي) هذا هو حكم الهلاك الجزئي أو الكلي في عقد الإيجار ومنه ترى كيف أن الشارع المصري يجيز الفسخ أو إنقاص الأجرة جريًا وراء تحقيق حكمة عادلة هي أن الأجرة مقابل الانتفاع.
على أننا إذا سلمنا جدلاً مع الفقيهين بودرى وفال - أصحاب الرأي المخالف لما نقول به - بأن حالة الحرب أو الثورة تعرض مادي لا يوجب ضمان المؤجر فما عساه يكون الحكم إذا ما أدى ذلك التعرض إلى تقليل الانتفاع أو تعطيله؟
يميل القضاء الفرنسي ومعه جمهرة الشراح الفرنسيين إلى وجوب أن يسوي بين حالة الهلاك الكلي أو الجزئي للعين المؤجرة وحالة ما إذا أدى التعرض المادي إلى تقليل الانتفاع حتى أصبح بذلك نص المادة (1725) مدني فرنسي شاملاً في جواز الفسخ أو إنقاص الأجرة في الحالتين (انظر بودرى وفال ن 523 و 524 ج1) وطبعي أن يرفض الفقيهان ذلك الرأي بل وقد استقر رأي الفقه والقضاء في مصر على أن الحرمان الكلي أو الجزئي من الانتفاع بغير خطأ المدين يبرر الفسخ أو إنقاص الأجرة ولقضائنا في ذلك المضمار جولات صادقة موفقة تترجم عن فكرة رئيسية هي أن الأجرة مقابل الانتفاع وأنه إذا تعذر الانتفاع سقط التزام الأجرة إلى حد الزوال أو نقص إلى أجر المثال (استئناف مختلط 26 يونيه 917 مج ط (29) ص (516) - 25 إبريل سنة 1922 جازيت 13 ص (26) رقم (54 – 5) يونيو سنة 1923 جازيت 13 ص (182) رقم (303) - حكم محكمة الموسكى الجزئية 12 أغسطس سنة 1916 حقوق 31 ص (285) – حكم محكمة الاستئناف الأهلية 22 مايو سنة 1976 محاماة 4 ص (453) – بني سويف 25 ديسمبر سنة 1928 محاماة (6) ص (642)).
فإذا انتقلنا من مناقشة حكم الهلاك الجزئي أو الكلي كمقدمة شئنا أن نقيس عليها حكم
قيام حالة الحرب وأثرها في عقد الإيجار إلى مناقشة حكم التزام المؤجر بعمل الترميمات الضرورية في القانون المصري بدًا مدى ما يصيبه الرأي الذي نقول به من التوفيق فإن من المقرر أن المؤجر غير ملزم في القانون المصري بعمل الترميمات الضرورية بنص المادة (370) مدني أهلي حيث تقول (لا يكلف المؤجر بعمل أي مرمة كانت إلا إذا اشترط في العقد إلزامه بذلك) ومع ذلك يرى الفقهاء المصريون ومنهم الأستاذ الدكتور السنهوري بك أن للمستأجر الفسخ إذا امتنع المؤجر عن القيام بالترميمات الضرورية ولو لم تهلك العين هلاكًا ماديًا، وحجته في ذلك القول (إن القاعدة الأساسية في نظرنا أنه في كل الأحوال التي يستحيل فيها على المستأجر الانتفاع بالعين المؤجرة في جميعها أو في جزء منها لسبب خارج عن إرادته ولو كان ذلك لقوة قاهرة يجوز له أن يطلب فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة وذلك تطبيقًا للقواعد العامة ولمبادئ العدالة وقياسًا على المبدأ المستفاد من المواد (370 - 454 و 455) فتنطبق هذه القاعدة على حالة العيوب الخفية وعلى حالة ما إذا نشأ عن التعرض المادي الصادر من الغير استحالة الانتفاع بالعين المؤجرة ولو لم تهلك العين هلاكًا ماديًا كذلك تنطبق أخيرًا على حالة ما إذا استحال على المستأجر بسبب حرب أو ثورة الانتفاع بالعين المؤجرة هذا على فرض اعتبار أن الحرب والثورة من أعمال التعرض المادي كما يرى بعض الشراح (عقد الإيجار ص (308) و(309)).
ويزداد تعسف رأي الفقيهين بودرى وفال في نظرنا بالرجوع إلى ما قالا به في ذلك الشأن من أن المؤجر لا يضمن حالة الحرب وما تستتبعه من أعمال تعكر صفو انتفاع المستأجر ولو ظهرت تلك الأعمال في صورة إتلاف مادي dégradation matérielle .
ونظرة إلي ذلك القول تكفي للحكم على مدى ما يؤدي إليه من المخالفة الصريحة لنص المادة (1720) فقرة ثانية من القانون المدني الفرنسي حيث يلتزم المؤجر بالقيام بكافة الترميمات الضرورية لا قبل تسليم العين فحسب – كما يرى كافة الفقهاء - بل ويجب عليه أن يتعهد العين المؤجرة بالإصلاح والترميم حتى بعد تسليمها إلى المستأجر ليتمكن هذا الأخير من الانتفاع بها الانتفاع المطلوب وهذا ما لا ينكره الفقيهان المذكوران في مؤلفهما في الجزء الأول (ص 170 ن 322) وما بعدها.
وقد عرضت هذه المشكلة على محكمة الاستئناف المختلطة إبان الحرب العظمى فقضت بأن الاضطرابات التي حدثت في ربوع القطر المصري في مارس 1919 تعد داخلة في نطاق حكم المادة (459) مدني مختلط الخاصة بضمان التعرض وبالتالي يسوغ للمستأجر إذا كان من شأن هذه الاضطرابات أن تجعل انتفاعه بالعين المؤجرة مستحيلاً أن يطلب فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة على حسب الأحوال (استئناف مختلط 18 يناير 1921 جازيت 11 ص 73 رقم 110).
على أن رأي الفقيهين لا يخلو من التناقض ففي الوقت الذي يقولان فيه بأن حالة الحرب لا تعتبر تعرضًا يجيز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد فإنهما يعترفان صراحة بأن المؤجر لا يلتزم قبل المستأجر بأي ضمان إذا ما ثبت أن هذا الأخير قد أخطأ الروية واستجاب لفزع لا تبرره الحقيقة فغادر العين المؤجرة دون أن يكون ثمة خطر قد هدده وعندئذ لا يلومن المستأجر إلا نفسه (ج 1 ص (295)) – ومن قبيل التناقض أيضًا أنهما قررا عدم مسؤولية المستأجر عما يصيب العين المؤجرة من أضرار إذا تركها المستأجر من غير رعاية تحت ضغط الخطر الناشئ عن حالة الحرب (ج 1 ن 756) إذ قالا بعدم مسؤولية المستأجر عما يصيب العين - ولا يخفى أن هذا التناقض يقرب الفقيهين من الرأي الصحيح الذي يعتبر حالة الحرب قوة قاهرة توجب ضمان المؤجر ويصبح موضع الخلاف بين الرأيين كامنًا في أن الفقيهين يريان في أعمال القوة الصادرة من المتحاربين والتي تهدد المستأجر في انتفاعه وطمأنينته تعرضًا ماديًا لا يلتزم المؤجر بضمانه بعكس ما نراه من أن تلك الأعمال تكون بحق حالة القوة القاهرة أو الحادث الجبري وهي باتفاق جميع الشراح وأحكام القضاء (أمر غير متوقع الحصول غير ممكن التجنب يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً بغير خطأ من جانب المدين).
ولا محل لأن يعترض على رأينا هذا بأن نظرية القوة القاهرة أو الحادث الجبري لم يرد بشأنهما في القانون المصري نص صريح أسوة بما جاء بالمواد (1147) و (1148) مدني فرنسي واللتين تكلمتا عن القوة القاهرة والحادث الجبري باعتبارهما سببًا يحلل المدين من التزاماته فإن الشارع المصري قد نص صراحة على انتفاء مسؤولية المتعاقد إذا انتفى التقصير من جانبه فقضت المادة (119) و (177) مدني أهلي بإعفاء المدين من الحكم عليه بالتضمينات المترتبة على عدم الوفاء بكل ما تعهد به أو ببعضه أو الناتجة عن تأخير الوفاء زيادة على رد ما أخذه المتعهد إذا ثبت عدم تقصيره ونص كذلك في المادة (411) مدني أهلي على انقضاء عقد الاستصناع بالحادث الجيري كذلك تعفي المادة (417) مدني أهلي العامل إذا تلفت المهمات التي أحضرها صاحب العمل بسبب قهري ويتحمل صاحب العمل تبعة ذلك الهلاك وكذلك تنص المادة (541) مدني أهلي على عدم تحمل الدائن المرتهن رهنًا حيازيًا تبعة هلاك الشيء المرهون إذا هلك بسبب قهري (انظر في تفاصيل تلك المسألة كتاب الدكتور محمد بك صالح في أصول التعهدات فقرة (44 – 45 –) عبد السلام بك ذهني في الالتزامات فقرة (269 - 270).
ونلخص ما رأيناه سلفًا في القول بأن قيام حالة الحرب تعتبر قوة قاهرة تجيز بصفة أصلية طلب الفسخ أو إنقاص الأجرة حسب الأحوال - ولما كان أمر تقدير تلك الأحوال معقودًا بفطنة القاضي وكياسة تقديره كان مفهومًا أن يلاحظ عامل التدرج في الخطر والتهديد بالحرمان من الانتفاع والطمأنينة إذ لا تجوز مساواة المناطق النائية التي لم تمتد إليها يد الاستعدادات الحربية مثلاً بغيرها من المناطق التي تجري فيها أعمال الحرب والاستعدادات الحربية فإذا قامت الدولة مثلاً في بعض المناطق بإنشاء مخازن للذخيرة أو أماكن للتدريبات أو الإدارات العسكرية كان بدهيًا أن تلحظ القوة القاهرة باعتبارها سببًا مبررًا للفسخ أو باعتبارها أعمالاً إدارية اتخذتها السلطة الإدارية بالقرب من العين المؤجرة ومثل تلك الأعمال يضمنها المؤجر إجماعًا بوصفها تعرضًا قانونيًا وبالجملة فإنه يجب التفريق بين ما إذا كان سبب استحالة الانتفاع قائمًا بالعين المؤجرة وفي هذه الحالة يجوز طلب الفسخ أو تنقيص الأجرة حسبما يتراءى للقاضي من ظروف الحال شدة وخطرًا وبين ما إذا كان متصلاً بشخص المستأجر كأن يتعجل الحوادث بخوف وهمي لا يجد له من خطورة موقع العين المؤجرة سندًا يؤيد مغادرته إياها أو كأن يلحق بوحدات الجيش فيضطر بالتالي إلى مغادرتها وفي هذه الحالة لا يجوز طلب الفسخ بتاتًا أو إنقاص الإيجار.
أما أن يتذرع المستأجر بنظرية الظروف الطارئة فهذا دفع لا يلقي له في مصر من الفقه أو القضاء تأييدًا فقد رفضت محكمة النقض المصرية الأخذ بها وقضت بأنه لا ينقضي الالتزام العقدي بالفسخ إلا إذا أصبح الوفاء غير ممكن لظرف حادث جبري لا قبل للملتزم بدفعه أو التحرز منه أما إذا كان من شأنه أن يجعل الالتزام شديد الوطأة على المتعاقد فهذا مما لا يقتضي الفسخ بحال.
ولقد أحس المشرع حرج الأفراد فعجل في بعض المناطق والأحياء بقطع الشك باليقين وسن تشريعًا مؤقتًا يرتب علائق المؤجرين بالمستأجرين ترتيبًا يوفق بين المصالح المتعارضة ويضمن سلامة الجميع وصيانة الروابط، وما كانت تلك الأحكام الفردية الوقتية لتنهض علاجًا كافيًا وإنما يستقر الحل السليم بين مقتضيات القواعد العامة كما قدمناها
مجلة المحاماة -العددالخامس -1941
| صالح سيد منصور المحامي |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق